أرسل الله عزوجل رسله وأنبيائه إلى الأقوام والأمم المختلفة وأيدهم بمعجزات باهرة وآيات ظاهرة فإن كذبهم المعارضون والمخالفون كانت آياتهم ومعجزاتهم دليل صدقهم وإثبات صحة كلامهم، فكان مع كل نبي من المعجزات الكثير التي على مثلها يؤمن من شرح الله صدره للإيمان.
وإذا كان ذلك في أنبياء الله السابقين وقد أرسلهم الرب تبارك وتعالى إلى أقوامهم وأزمانهم، فإن الشأن أعظم مع نبي الله الخاتم وخير البرية محمد صلى الله عليه وسلم حيث أرسله الله إلى البشر أجمعين، بل وشملت رسالته الجن والإنس، وامتدت دعوته عبر الأزمان والقرون فهو النبي الذي ختمت به رسالة الأنبياء قبله، وقد مده الله عزوجل من دلائل النبوة بالكثير، وهي دلائل من الوضوح والظهور ما لا يحتاج معها من صفا قلبه وخلُصت نيته إلى كثير تفكر وتأمل.
وقد مهدنا لحديثنا عن هذه المعجزات، بمقدمة تحدثنا فيها عن تعريف المعجزات وعن خصائصه، وعن الفوارق بينها وبين ما قد يأتي به السحرة والكهان من أفعاله يظنه الظان خارقة للعادة، ثم تحدثنا عن هذه المعجزات وعددها كبير غير أن اكتفينا بأن نرد أمثلة على هذه المعجزات، فمعجزة واحدة كافية بإثبات نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجب على العارف بها الإيمان به صلى الله عليه وسلم.
من أعظم دلائل صدق الأنبياء ما أعطاهم الله من معجزات وآيات خارقة للعادة، وقد أُعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها الكثير، والمراد من المعجزات الشيء الخارق للعادة الذي يعجز البشر عن الإتيان بمثله فيكون ما يأتي به النبي معجزًا لغيره من سائر الناس، بحيث لم يقدروا عليه أفرادًا أو جماعات؛ لأنه خارج عن طوق البشر واستطاعتهم.
ولفظ المعجزة غير وارد في القرآن الكريم، وإنما الوارد لفظ الآية؛ لأنّ الأصل في الآية العلامة الدالة على الشيء، إذ يقول الإنسان لأخيه: فلان يقول لك: أعطني كذا أو كذا، فيقول له: ما آية ذلك؟ أي: ما علامته أنه قال: أعطه كذا أو كذا؟ فيريه خاتمه أو كتابه أو سيفه أو أي شيء خاص به فيكون ذلك آية وعلامة على صدق ما ادعاه وطالب به.
ولا تحصل المعجزة الخارقة للعادة إلا مع النبوة الصادقة، فالمعجزة دليلٌ على النبوة الصادقة،
هي: آية الله الخارقة الدالة على النبوة الصادقة.
أخص خواص المعجزة خرق العادة، والمقصود بخرق العادة: مخالفة سنن الطبيعة، وخواص المادة، وقانون الأسباب والمسبّبات.
ومن خصائص معجزات الأنبياء أنها لا تقع إلا لنبي فلا يستطيع ساحر أو كاهن أو غيرهما أن يأتي بمثلها، وإذا قررنا ذلك فإن المعجزات لا يأتي بها أو بمثلها من يكذّب بنبوة الأنبياء، ولا من يدّعي نبوّة كاذبة.