وبذلك يتضح لنا حاجة البشر الملحة للرسل، ورحمة الله عزوجل وعدله بالبشرية حيث أرسل لهم رسلًا وأنبياء يهدونهم إلى طريق الحق، ولعل من أعظم الشواهد الحسية على حاجة البشر للرسول، هو حاجة الإنسان إلى قوانين وأخلاق تنظم حياته، وتضبط سلوكه، ليتميز بذلك عن سائر الحيوان.
فإن الناس إما أن يعيشوا من غير دين ينظم حياتهم، ويضبط سلوكهم.
وإما أن يتخذوا لهم من يشرّع لهم دينا.
وإما أن يكونوا على الدين الحق الذي جاءهم بالبينات والهدى، فيكونوا بذلك على وفاق مع فطرتهم التي فطروا عليها، فتنتظم أمور حياتهم خير انتظام.
فإن اختاروا الأول عاشوا في بهيمية نكراء يأكل الضعيف منهم القوي، وكان اختلافهم عن سائر الحيوان بالشكل والصورة فحسب.
وإن اختاروا الثاني فقد اختاروا العبودية لطائفة من البشر، تتسلط عليهم، وتذيقهم من ظلمها سوء العذاب، فلم يبق إلا أن يحتكموا إلى الدين الحق ليأخذوا منه شرائعهم، ويبين لهم ما يحل لهم فيأتوه، وما يحرم عليهم فيجتنبوه، وهنا تكمن قمة السعادة، ولا سعادة حقيقية للإنسان - أي إنسان - إلا بإتباع الدين الذي ارتضاه الله لعباده والذي أرسل به الرسل وأنزل من أجله الشرائع، وتتضح هذه النقطة بمزيد الإيضاح في المحور القادم عند الحديث عن وظائف الأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم وسلامه.
لقد أرسل الله عزوجل الرسل لهداية الناس وإرشادهم طريق الحق، وكلفهم الله تبارك وتعالى بوظائف ومهام حصرها العلماء في الوظائف الآتية:
أولا: البلاغ المبين:
ووظيفة البلاغ المبين هي المهمة الأساسية للرسل فما بعثهم الله تعالى إلا لإبلاغ الناس ما نزل إليهم من ربهم وقد جاء في القرآن الكريم ثلاث عشرة أية تنص على أن مهمة الرسول إنما هي (البلاغ) ، ومن أجمع الآيات في ذلك قوله الله تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: 67] .
يقول الشيخ السعدي:"هذا أمر من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم الأوامر وأجلها، وهو التبليغ لما أنزل الله إليه، ويالمسلمين".كل أمر تلقته الأمة عنه صلى الله عليه وسلم من العقائد والأعمال والأقوال، والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية، فبلغ صلى الله عليه وسلم أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله. فلم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين" [2] ."
(1) 1 - استفدنا في هذه النقطة من الكتاب القيم"الرسل والرسالات"للدكتور عمر سليمان الأشقر.
(2) 2 - تفسير السعدي 1/ 239.