فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 166

قال له كرز: وما يمنعك وأنت تعلم هذا أن تتبعه؟!!.

قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم: شرفونا وأمرونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو قد فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر الإسلام أخوه كرز بن علقمة، وأسلم بعد ذلك [1] .

ولا ينتهي العجب من نصارى نجران عند هذا الموقف، فقد ذكر ابن إسحاق أن وفد نصارى نَجْران، لما قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة دخلوا عليه مَسْجِدَه حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرَات: جُبَب وأرْدية، يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعُوهم فصلّوا إلى المشرق.

ثم دار بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حوار دعاهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وأقام عليهم الحجة وأزال الشبهة.

فلما كلمه الحَبْران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أسْلِمَا"قالا قد أسلمنا.

قال:"إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فأسْلِما".

قالا بلى، قد أسلمنا قبلك.

قال:"كَذَبْتُمَا، يمْنَعُكُمَا مِنَ الإسْلامِ دُعَاؤكُما لله ولدا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وأكْلُكُمَا الخِنزيرَ".

قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فَصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم، صَدْرَ سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله، والفَصْلُ من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إنْ رَدّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنَا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟.

فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرَفْتم أن محمدًا لنبيٌّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من خَبَر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعَن قوم نبيًا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صَغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعُوا الرجلَ وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجعَ على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضًا [2] .

(1) 1 - رواه الطبراني في المعجم الأوسط (3906) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:

(2) 1 - ابن هشام في السيرة النبوية (2/ 180) باختصار، وقد روى قصة المباهلة بين رسول الله (ووفد نجران البخاري ومسلم في صحيحهما بأخصر من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت