فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 166

جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه، ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك.

وقيل المراد أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة، بخلاف غيره من المعجزات فإنها لا تخلو عن مثل.

وقيل المراد أن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورة أو حقيقة، والقرآن لم يؤت أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله"فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا".

وقيل المراد أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل، وإنما هو كلام معجز لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيل منه التشبيه به، بخلاف غيره فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يقدر الساحر أن يخيل شبهه فيحتاج من يميز بينهما إلى نظر، والنظر عرضة للخطأ، فقد يخطئ الناظر فيظن تساويهما.

وقيل المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، وهذا أقوى المحتملات، وتكميله في الذي بعده.

وقيل المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا.

قلت: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد؛ فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا.

قوله: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)

رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون، فعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك، وهذه الرجوى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعا" [1] ."

فالقرآنُ الكريمُ هو المعجزةُ الخالدةُ للرسالةِ المحمدية، وذلك أن المعجزاتِ الأخرى معجزاتٌ وقتِيَّةٌ، ودلالتُها على صحةِ الرسالةِ لا تكونُ إلا لمن عايَنَها، ولذا خصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه المعجزةَ هنا بالذكرِ، وناسبت هذه المعجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم النبيين ولابد من أن تكون معجزته خالدة باقية على مر العصور والدهور.

لا يتسع المقال للحديث عن جميع أو أكثر أوجه إعجاز القرآن الكريم، وذلك لكثرتها وعظمتها فما من آية من القرآن الكريم إلا وهي معجزة قائمة بذاتها تدل الناس على الإيمان بالله عزوجل والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

(1) 1 - فتح الباري (9/ 6، 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت