ومن أظهر أوجه إعجاز القرآن الكريم، الإعجاز اللغوي والبلاغي، فقد نزل القرآن على نبي كريم لا يقول الشعر في بيئة تتقن الشعر وتملك زمام لغة من أقوى اللغات وأوسعها معجمًا، ورغم ما مثل لهم القرآن من تحدى إلا إنهم لم يستطيعوا مواجهته أو الإتيان بآية مثله، وأقروا بإعجازه.
إن من أعظم خصائص معجزات الأنبياء أنها خارجةٌ عن مقدور من أُرسل الأنبياء إليه؛ وهم الجنّ والإنس؛ فلا تقدر الإنس والجن أن يأتوا بمثل معجز الأنبياء؛ لذلك تحدى الله عزوجل لا العرب وحدهم بل الإنس والجن جميعهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال تعالي: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88] ، وتحدى الله تبارك وتعالي المنكرين أن يأتوا بعشر سور فقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [هود:13 - 14] ، وتحداهم الله عزوجل أن يأتوا بسورة واحدة فقال: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [يونس: 37 - 39] ، ولم يستطيع المنكرون أن يأتوا بمثله أو أن يطعنوا في بلاغتها وإعجازه اللغوي، وليس في ذلك عجب فإنه كلام خالق الأكوان جميعًا الله رب العالمين.
يقول الفخر الرازي:"لو لم يكن قاطعًا بصحة نبوته، لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه - إذا لم يكن قاطعًا بصحة نبوته - كان يجوز خلافه، وتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام ولا يجزم به فلما جزم دل على أنه كان قاطعًا في أمره" [1] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"هذا (أي هذا التحدي المذكور في الآية) لا يقدم عليه من يطلب من الناس أن يصدقوه إلا وهو واثق بأن الأمر كذلك، إذ لو كان عنده شك في ذلك، لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر، فيفسد عليه قصده" [2] .
ويمكن إجمال إعجاز القرآن الكريم البلاغي واللغوي في النقاط التالية:
"1 ـ نظمُ القرآنِ ككُلٍّ خارجٌ عن المألوفِ من كلامِ العربِ كالشعرِ والنثرِ وغيرِ ذلك."
2 ـ فصاحةُ الألفاظِ، وقوةُ المعاني، وكثرةُ الحِكَمِ، مع عدمِ التفاوتِ والاختلافِ، مما لا يُعرَفُ في أسلوبِ أحدٍ من البشرِ، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] .
(1) 1 - مفاتيح الغيب للفخر الرازي (2/ 120) .
(2) 1 - الجواب الصحيح 5/ 408.