فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 220

يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )) وَقَالَ تَعَالَى (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ) )وَقَالَ تَعَالَى (( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) )وَقَالَ تَعَالَى (( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) )وَقَالَ تَعَالَى (( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) )وَقَالَ تَعَالَى (( وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا، يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) )وَقَالَ صَاحِبُ يس (( وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ، إنِّي إذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) ).

فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي أَثْبَتَهَا الْمُشْرِكُونَ لِلْمَلائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، حَتَّى صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ وَقَالُوا: اسْتِشْفَاعُنَا بِتَمَاثِيلِهِمْ اسْتِشْفَاعٌ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ قَصَدُوا قُبُورَهُمْ وَقَالُوا: نَحْنُ نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لِيَشْفَعُوا لَنَا إلَى اللَّهِ وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَعَبَدُوهُمْ كَذَلِكَ.

وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ أَبْطَلَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَذَمَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهَا وَكَفَّرَهُمْ بِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ (( وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ) )قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ صَالِحُونَ كَانُوا فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَعَبَدُوهُمْ وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.

َهَذِهِ أَبْطَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَمَ مَادَّتَهَا وَسَدَّ ذَرِيعَتَهَا حَتَّى لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ يُصَلَّى فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي فِيهَا لا يَسْتَشْفِعُ بِهِمْ وَنَهَى عَنْ الصَّلاةِ إلَى الْقُبُورِ وَأَرْسَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَمَرَهُ أَنْ لا يَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّاهُ وَلا تِمْثَالًا إلا طَمَسَهُ وَمَحَاهُ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ. وَعَنْ أَبِي الهياج الأسدي: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَأَبْعَثُك عَلَى مَا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَلا تَدَعَ تِمْثَالًا إلا طَمَسْته وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّيْته وَفِي لَفْظٍ: وَلا صُورَةً إلا طَمَسْتهَا". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ا. هـ [1] "

?وقال رحمه الله:

فَالشَّفَاعَةُ: مَقْصُودُهَا قَبُولُ الْمَشْفُوعِ إلَيْهِ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ التَّامَّةُ. فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي لا تَكُونُ إلا بِإِذْنِهِ وَأَمَّا إذَا شَفَعَ شَفِيعٌ فَلَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ: كَانَتْ كَعَدَمِهَا وَكَانَ عَلَى صَاحِبِهَا التَّوْبَةُ وَالاسْتِغْفَارُ مِنْهَا. كَمَا قَالَ نُوحٌ (( رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) )وَكَمَا نَهَى اللَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. وَقَالَ لَهُ (( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) )وَقَالَ لَهُ (( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) ). وَلِهَذَا قَالَ عَلَى لِسَانِ الْمُشْرِكِينَ (( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) ).

فَالشَّفَاعَةُ الْمَطْلُوبَةُ: هِيَ شَفَاعَةُ الْمُطَاعِ الَّذِي تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ. وَهَذِهِ لَيْسَتْ لأَحَدِ عِنْدَ اللَّهِ إلا بِإِذْنِهِ قَدَرًا وَشَرْعًا. فَلا بُدَّ أَنْ يَأْذَنَ فِيهَا. وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدَ شَافِعًا. فَهُوَ الْخَالِقُ لِفِعْلِهِ وَالْمُبِيحُ لَهُ كَمَا فِي الدَّاعِي: هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الدَّاعِيَ دَاعِيًا فَالأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ خَلْقًا وَأَمْرًا. كَمَا قَالَ (( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) ). وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ - أَنَّهُ قَالَ: فَمَنْ يَثِقُ بِهِ فَلْيَدَعْهُ، أَيْ فَلَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ لا خَلْقٌ وَلا أَمْرٌ.

وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِالشَّفَاعَةِ الْمُثْبَتَةِ: هِيَ الشَّفَاعَةُ الْمُطْلَقَةُ وَهِيَ الْمَقْصُودُ بِالشَّفَاعَةِ وَهِيَ الْمَقْبُولَةُ بِخِلافِ الْمَرْدُودَةِ. فَإِنَّ أَحَدًا لا يُرِيدُهَا لا الشَّافِعُ وَلا الْمَشْفُوعُ لَهُ وَلا الْمَشْفُوعُ إلَيْهِ. وَلَوْ عَلِمَ الشَّافِعُ وَالْمَشْفُوعُ لَهُ أَنَّهَا تُرَدُّ: لَمْ يَفْعَلُوهَا.

وَالشَّفَاعَةُ الْمَقْبُولَةُ: هِيَ النَّافِعَةُ. بَيْنَ ذَلِكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ (( وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) )وَقَوْلِهِ (( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) )فَنَفَى الشَّفَاعَةَ الْمُطْلَقَةَ وَبَيَّنَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لا تَنْفَعُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. وَهُوَ الإِذْنُ الشَّرْعِيُّ بِمَعْنَى: أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ. وَأَجَازَهُ.

?إلى أن قال:

فَالشَّفَاعَةُ مَصْدَرٌ لا بُدَّ لَهَا مِنْ شَافِعٍ وَمَشْفُوعٍ لَهُ. وَالشَّفَاعَةُ: تَعُمُّ شَفَاعَةَ كُلِّ شَافِعٍ وَكُلُّ شَفَاعَةٍ لِمَشْفُوعِ لَهُ. فَإِذَا قَالَ (( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ ) )نَفَى النَّوْعَيْنِ: شَفَاعَةَ الشُّفَعَاءِ وَالشَّفَاعَةَ لِلْمُذْنِبِينَ. فَقَوْلُهُ (( إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) )يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ:

مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا مِنْ الشُّفَعَاءِ.

وَمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا مِنْ الْمَشْفُوعِ لَهُ.

وَهِيَ تَنْفَعُ الْمَشْفُوعَ لَهُ فَتُخَلِّصُهُ مِنْ الْعَذَابِ. وَتَنْفَعُ الشَّافِعَ فَتُقْبَلُ مِنْهُ وَيُكْرَمُ بِقَبُولِهَا وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَالشَّفَاعَةُ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ لا شَافِعًا وَلا مَشْفُوعًا لَهُ (( إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) )فَهَذَا

(1) مجموع الفتاوى (1/ 149 - 150) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت