قوله [فيكذب معها مائة كذبة، فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا: كذا] (كذبة) لها أوجه في الضبط، كِذبة وكَذبة وكذْبة. وقوله (فيكذب معها مائة كذبة) يحتمل أمرين: ـ الأول: أن يكون الذي زاد الكذبات فوق ما سمع هو الجني أو الشيطان الذي استرق السمع. والثاني: قد يكون أنه الذي يُوصل إليه هذا الشيء الذي سرق من السحرة والكهنة.
قوله [فيقال أليس قد قال لنا كذا وكذا] هذه من الأمور التي تفتن الناس من كونهم يجدون مصداق ما قاله الكاهن أو الساحر في أمر أخبرهم به، وهذه العلة من باب الفتنة، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء أي لم يقل ذلك الساحر والكاهن إلا شيئًا من الحقيقة وزاد على الحقيقة من الكذب.
قوله [وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر وتكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة ـ أو قال رعدة شديدة ـ خوفًا من الله عز وجل فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًا ... )] هذا الحديث لم يذكر المصنف من أخرجه من الأئمة، وقد أخرجه جمع فأخرجه ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) وأخرجه أبو نعيم في كتابه (الحلية) . إلا أن في سنده نعيم بن حماد، ونعيم بن حماد حاله عند المحدثين لخصه ابن حجر رحمه الله في (التقريب) بقوله صدوق يخطئ كثيرًا.
ومن المتقرر عند أهل الحديث وأئمة الجرح والتعديل أن من كان حاله وجود الوهم عنده كثيرًا فمفرداته غير مقبولة، ولكن قال ابن عدي في كتابه (الكامل) فسبر جميع أحاديث نعيم بن حماد واستقصى الأحاديث التي وهم فيها والأحاديث التي أقامها على الجادة فحصر الأحاديث التي كان فيها وهم من قبل نعيم بن حماد في عشرة أحاديث؛ وحديثنا الذي نحن بصدده ليس منها، قال ابن عدي (وما سوى هذه الأحاديث فهو مستقيم ليس فيه وهم) فهذا فيه دلالة على أن الحديث الذي نحن بصدده أقل ما يقال فيه ضعيف، فيجبر ويحتمل التحسين، هذا إذا ما أخذنا بكلام ابن عدي على ظاهره فقلنا إن الحديث سالم من الوهم لأن درجة نعيم بن حماد صدوق، والصدوق في مرتبات الحسن.
قوله [قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر ... ) ] الإرادة نوعان: ـ
إرادة دينية شرعية، وإرادة كونية قدرية، وسبق أن وضحنا ذلك. والوحي: هو الإخبار الخفي السريع.