فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 293

قوله [حرّفها] أي: أمالها، وبدد بين أصابعه، أي: فرق بين كل إصبع والتي تليها بحيث لا تكون ملصقة بها، وهذا من باب التمثيل على كيفية ركوب بعض مسترقي السمع بعضهم فوق بعض.

وكونه قال سفيان بن عيينة رحمه الله هذه الصفة ليبين لهم أنهم يركب بعضهم فوق بعض حتى يصلوا إلى السماء ليأخذوا شيئًا من السمع، وجاء في بعض الروايات وهي رواية صحيحة أن مسترقي السمع (يركب بعضهم فوق بعض إلى العنان) ـ يعني السحاب ـ ثم يستمعون ماذا يقولون الملائكة عندما يسمعون كلام الله سبحانه وتعالى أو صوت كلامه سبحانه وتعالى فيأخذون شيئًا مما سمعوه.

قوله [فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته] يعني: مسترق السمع، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، والفرق بين الساحر والكاهن كما قال شيخ الإسلام هو أن الكاهن يتكهن لك شيئ من أمور الغيب، يعني أن يحاول أن يتطلع إلى أمر غيبي ليعرفك أو ليقوله لك. أما الساحر فهو كاهن وزيادة إذ إن الساحر لا يتكهن فحسب بل يسعى في التفريق بين الزوجين ويسعى إلى هلاك الناس وإلى أمور كثيرة، فيتحصل من هذا أن كل ساحر كاهن وليس كل كاهن ساحر، لأن الساحر أعم من الكاهن فهو يجمع ما عند الكاهن وزيادة.

قوله [فربما أدركه الشهاب] يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين التي تحاول استراق السمع، وهذا فيه دلالة على أن الرمي بالشهب كانت موجودة قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - ويجمع بين هذا وبين ما ورد من كون الشهب أتت عندما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أخبر بذلك النفر الذين أسلموا من الجن كما حكاه الله عز وجل على لسانهم في سورة الجن، يجمع بين هذا وهذا بأن يقال كان الرمي بالشهب قبل البعثة موجود ولكن على قلة ثم بعد ذلك كثر وتزايد لما بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يستطيع أحد من الجن في الجملة أو من الشياطين على وجه العموم أن يسترقوا شيئًا من السمع.

قوله [ربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة] هذا فيه دلالة أن الشهب تطارد المسترقين وقد تدرك المسترق قبل أن يوصل ما استرقه إلى من تحته فتمنع وصول ما حاول استراقه إلى الساحر أو الكاهن وقد لا تدركه فيوصل هذا المسترق شيئًا مما استرقه لهذا الكاهن أو الساحر، وهذا كله من حكمة الله سبحانه وتعالى لأن أوامر الله منوطة بالحكمة، والحكمة قد تكون معلومة لدى الخلق وقد تكون مجهولة، فقد يكون من الحكم التي لأجلها جعل الله عز وجل هؤلاء المسترقين يوصلون شيئًا مما استرقوه إلى من تحتهم دون أن يدركهم الشهاب حتى يكون هناك فتنة بأن يقال لقد قال الساحر أو الكاهن كذا ووقع، فيميز الله الخبيث من الطيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت