باب
الخوف من الشرك
لماّ بين المصنف ـ رحمه الله ـ معنى التوحيد وفضله، وفضل تحقيقه؛ ناسب أن يذكر ضده، لأن الضد بالضد يتبين قال المتنبي:"وبِضِدِّها تَتبيَّنُ الأشياءُ"، ولأن الخائف من الشرك بأنواعه الجليّ والخفيّ، والأكبر والأصغر، يفرّ منه إلى كمال تحقيق التوحيد؛ ولأن العارف بالشرك وأنواعه أجدر ألاّ يقع في ذلك، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (إنما ينقض الإسلام عروة عروة إذا دخل فيه من لا يعرف الجاهلية) .
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ (وهو كذلك لأن غير العارف بالجاهلية، ربما وقع في شيء من أنواعها وهو لايدري، ولأن العارف بالحق مع العلم بالجهل وطرقه وأنواعه، يكون بلاؤه في الإسلام وجهاده فيه أكثر من غيره، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم على تمام المعرفة بالإسلام والجاهلية، فكانوا أفضل الخلق من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -) .
ومنه قول حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه (كان الناس يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه) أو قال (مخافة أن يدركني) رواه البخاري.
قوله [الخوف] هو ضد الأمن، وأصله الفزع.
قوله [الشرك] الأصل في الشرك إذا عُرِّف أن يخص الأكبر دون الأصغر، إلا أن المصنف رحمه الله هنا قصده وغيره ـ أي الأكبر وغيره ــ كالأصغر والخفي، لتمام الهرب من الشرك، والسعي في تحقيق التوحيد.
قوله [وقول الله عز وجل {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء} ]
قوله (أن يشرك به) مؤولة بمصدر: هو مفعولٌ لفاعل (يغفر) يقدر بالإشراك أو بإشراك، فيكون المعنى: (إن الله لا يغفر الإشراك به، أو إن الله لا يغفر إشراكًا به) ، وتقرر أن النكرة إذا تسلط عليها النفي عمّت، فهل العموم هنا يدخل فيه الأكبر والأصغر والخفي أم أنواع الأكبر فحسب؟ أكثر المفسرين على الثاني.
وظاهر الآية أن الشرك الأكبر والأصغر والخفي تدخل في العموم السابق، وعليه اختلف أهل العلم: هل الشرك الأصغر يغفره الله أم لا؟ كيسير الرياء والحلف بغير الله ونحوهما، فذهب بعضهم إلى عدم