فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 293

غفران الله عز وجل الشرك الأصغر، لكونه يدخل في عموم الآية السابقة على ما ذُكر ــ أي: على ما ذُكر من أن النفي إذا تسلط على النكرة تعم ــ فيكون الشرك الأصغر موجبًا لصاحبه الدخول في النار وبعد تطهيره يكون مآله إلى الجنة، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وأحد رأيي شيخ الإسلام ابن تيمية وجزم به ابن القيم في (طريق الهجرتين) رحم الله الجميع.

وقال آخرون: أمر صاحب الشرك الأصغر داخل في الأعمال، فإن وقع العبد في بعض الشرك الأصغر، واجتمع مع ذلك حسنات راجحة مع أصل التوحيد دخل الجنة، وإن وقع في بعض الشرك الأصغر وكبر وكثر، وضعفت الحسنات دخل النار فآل الأمر إلى قلة وصغر الشرك الأصغر مع رجحان حسنات تعضده، ليدخل صاحبه الجنة، خلافًا لغير ذلك، وهو ما قرره جمعٌ من السلف رحمهم الله، وأسهب في تقريره ابن تيمية رحمه الله في كتاب (تفسير آيات أشكلت) ولعل القول به تأتلف به النصوص، وتجتمع به الأخبار.

وقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} يُشكل مع قوله تعالى في آية الزمر {إن الله يغفر الذنوب جميعًا} إلا أن السلف رحمهم الله قالوا: إن الآية الثانية تتعلق بالتائب، فكل تائب تاب من أي ذنب ولو من الشرك يغفر الله ذنبه، وأما آية النساء {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهي لغير التائب وفي ما هو دون الشرك، وقيّده سبحانه ببعض الخلق حيث قال {لمن يشاء} وهذا هو منهج السلف رضي الله عنهم، أن غير الشرك من الذنوب فصاحبه تحت مشيئة الرحمن، إن شاء الله عذبه وذلك ليظهر تمام عدله، وإن شاء عفا عنه ليظهر تمام رحمته ومَنِّه.

فائدة: اُختلف في حدّ الشرك الأصغر، فقال قوم (كل وسيلة تكون ذريعة إلى الشرك الأكبر فيدخل في جنس الشرك الأصغر) قاله السعدي* رحمه الله. ويورد عليه (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر من كان يقم المسجد لماّ فاتته الصلاة) كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. مع أن الصلاة عند القبور قد تكون ذريعة إلى الشرك الأكبر.

ومفهوم عبارة الشيخين ـ ابن تيميه وابن القيم رحمهما الله ـ (أن الشرك الأصغر ما ثبت شرعًا إطلاق اسم الشرك أو الكفر عليه، وعُلم من دلالات الشرع عدم خروج صاحبه من الدين) وهو أضبط ما قيل في ذلك.

قوله [وقال الخليل] يعني إبراهيم عليه السلام، وقد ثبت هذا الوصف له كما جاء في الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا) والخلة أعلى من المحبة، قال ابن القيم رحمه الله في (روضة المحبين) : أعلى أنواع المحبة الخلة. ومن ثَمّ يخطئ من يصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه حبيب الله وكفى، لأن مرتبة المحبة أدنى من الخلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت