باب قول الله تعالى
{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا}
هذا الباب أراد به المصنف رحمه الله لزوم التحاكم إلى الله ورسوله عند التنازع والإختلاف كما في قوله تعالى {يآ أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون با لله واليوم الآخر} ، وهذا فيه دلالة واضحة على أن الإنسان إذا تنازع مع أخ له أو آخركصاحب دين أو نحوه فإنه يرجع إلى أمر الله وإلى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويتحاكم إلى ذلك ويسلم له.
قوله وقول الله تعالى [ {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك ... } ] الآية
{يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} سبق معنى كلمة الطاغوت لغة واصطلاحًا، وذكرنا هناك أن أفضل الأقوال في تعريف الطاغوت هو قول ابن قيم الجوزية رحمه الله فإنه ذكر أنه كل من تجاوز الناس فيه الحد من متبوع أو مطاع أو نحوهما.
{وقد أمروا أن يكفروا به} هذا فيه دلالة واضحة على أنه يجب الكفر بالطاغوت ويجب الكفر بكل من يتحاكم إليه على غير حكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا من الأمور التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة، ولذلك اختلف أهل السنة والجماعة هل يبدأ الإنسان بالكفر بالطاغوت أم يبدأبالتوحيد، مذهبان لأهل الحق، اختار شيخ الإسلام وكذا غيره أن يكفر بالطاغوت وما إلى ذلك، وفيه أدلة، ففي الآية السابقة وكذلك في شهادة أن لا إله إلا الله أولها نفي فتبدأ بالنفي، أي تكفر بجميع الآلهة والطواغيت من دون الله ثم توحد توحيدًا صحيحًا، لأن التوحيد لا يمكن أن يكون إلا بالكفر بهذه الأشياء التي اتخذت آلهة يتجاوز فيها الناس حدهم فألهوها.
قوله [ {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا} ] أي: يريد الشيطان أن يوقع الإنسان في الضلالة، بأن يتحاكم إلى غير أمر الله، وأن يتحاكم إلى الطواغيت على خلاف أمر الله، وهذا فيه دلالة واضحة على ما أراده المصنف رحمه الله في الترجمة السابقة التي أشرنا إليها.
قوله [ {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} ] أي: لا تعصوا في الأرض، قاله أبو العالية كما أخرجه عنه أبن أبي حاتم في كتابه (التفسير) وكذلك أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره مسندًا عن الربيع بن أنس رحمه الله.