* الثاني: أن الأخذ بهذا القول فيه سد للذرائع التي قد يتذرع بها الخلق فيتعلقون أشياء من غير القرآن، ويقولون هو من الكلام غير الشركي، ثم بعد ذلك قد يدخل فيه الشرك والبدع إلى غير ذلك، فالحاصل في هذا الأمر أن النهي عن التعليق حجته سد ذريعة تعليق الأمور الشركية والبدعية ونحوها.
* الثالث: أنه غالبًا إذا علق الإنسان مثل هذه الأشياء إن كانت من القرآن فإنها تصحب بشيء من الإهانة ولا بد، كدخول متعلقها إلى الحشوش وما يسمى اليوم بالحمام، أي إلى مكان الخلاء، أو يذهب بها إلى أماكن ملتقى الزبالات ونحوها، وكل ذلك مما يكون فيه امتهان للقرآن والأصل أن امتهان القرآن حرام لا يجوز، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله (من ألقى القرآن ممتهنًا إياه ووضع قدمه عليه فهو كافر بالله) .
ولذلك فإن امتهان القرآن أمر الأصل فيه المنع ولا يجوز بحال، وقد يرتقي إلى الكفر بالله عز وجل كفرًا أكبر، ومما يستدل به على عدم جواز هذا التعليق ما يذكره الأصوليون رحمهم الله من قاعدة ألا وهي: (أن عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام فيه المقتضى لأمر ما لم يوقع هذا المقتضى فإنه حينئذ يدل على عدم جوازه) .
وهذا ينطبق على مسألتنا وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه رَقَى ورُقِي، وأنه أمر بالرقية، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكون من بعض الأدواء ومن بعض البلاء وكان - صلى الله عليه وسلم - ربما أمرهم بسبب وربما رقى، فلو كان تعليق شيء من القرآن على الصدور أو الرقاب أو نحوهما أمرًا مشروعًا لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر به، خاصة وأن مقتضى ذلك موجود في عصره - صلى الله عليه وسلم -.
* فيتحصل مما سبق أن سلف الأمة اختلفوا في مسألة تعليق شيء من القرآن إما سورة أو آية أو نحو ذلك، فمنهم من ذهب إلى عدم الجواز وهذا هو الذي يترجح لأربعة أدلة: ـ
* أولها: أن النصوص العامة التي نهى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تعليق شيء يشمل ما علق من الرقى.
* الثاني: أن مقتضى تعليق شيء من القرآن كان موجودًا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأذن فيه ولم يأمر أحدًا من أصحابه به وأهل العلم قرروا قاعدة وهي (أن مقتضى الشيء إذا كان موجودًا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأذن به الشارع فإن ذلك يدل على منعه وعدم جوازه) .
* الثالث: هو خشية أن تكون ذريعة لامتهان القرآن عندما يعلق، كأن يذهب به الإنسان إلى الحش أو المرحاض.
* والرابع: قد يعلق شيئًا بدعيًا أو شركيًا ويقول متعلقه أنه شرعيًا وهو كاذب، لذلك يسد هذا الباب حتى يكون من باب تمام حماية جناب التوحيد.