فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 293

سواهما) دلت عليها قرينة شرعية تخرجها عن الكراهة وتخرجها عن النهي الوارد في حديث مسلم في قصة ذلك الخطيب.

قوله [ (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) ] هذا نفيٌ بعده استثناء، وهو من صيغ القصر والحصر، ومن ثم يبين أن الإنسان إذا أحب شخصًا لأجل مال أو شيءٍ من الدنيا ونحوها وأشرك الأشياء مع المحبة لله فإنه ينتفي عنه تمحيض المحبة لله، والفضل الوارد إنما هو في تمحيض المحبة لله لذلك المواخي في الله ليس إلا، ويدل عليه صيغة القصر والحصر.

ومن ثم يطّرِد باب فضائل المؤاخاة في الله من المتآخيين الذين يجتمعان لله ويتفرقان في الله، وأنهما أيضًا في ظل العرش كما ورد في صحيح مسلم، فإن ذلك كله لا يكون إلا بتمحيض المحبة في الله وحده عز وجل دون أي مقصد آخر يشرك معها.

قوله [ (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار) ]

(كما) الكاف تقتضي التسوية يبن الأمرين، أي أن الكراهة في العودة للكفر ككراهة أن يقذف في النار؛ فإذا استوى الأمران عنده فقد حاز هذا الأثر، ألا وهو حلاوة الإيمان وهذا أثر عزيز قد لا يوجد عند أكثر الأنفس. وفي رواية (لا يجد أحدٌ حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... ) وهذه الرواية إنما أخرجها البخاري فحسب في كتاب الأدب من صحيحه دون مسلم. ثم إن الإيمان المراد في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنس السابق (لا يؤمن أحدكم) وأيضًا الإيمان في الحديث الذي يليه كلاهما من جنس الواجب الكمالي، لا من باب الواجب الأصلي المتعلق بباب الإيمان، حيث إن الإيمان له أصلٌ وكمال، فأصله الذي يدخل المرء به في حظيرة الإسلام ويخرج من دائرة الكفر ويكون به موحدًا؛ أما كماله الذي ينعت بالوجوب فيقال كمال واجب، فهذا الكمال هو الذي قد لا يصل إليه جميع المسلمين وإنما يصل إليه أفذاذ منهم وشذاذات، وهم من اتصفوا بصفات عدة منها تلك الصفات الواردة في الحديثين السابقين ومنها تقديم محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الولد والوالد والناس أجمعين.

فمن لم يقدم محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الولد والوالد فليس بكافر خارج من الملة وإنما نقص عنده الإيمان بقدر هذا الفعل الذي فعله إذ إنه لم يأت بالكمال الواجب في باب الإيمان وإنما اقتصر على أصل الإيمان دون كماله الواجب ومن أنقص الكمال الواجب في باب الإيمان لا يخرج من دائرة الإسلام، قال شيخ الإسلام في كتابه (الإيمان) وهذا بإجماع السلف. ا. هـ.

وأما من أنقص الأصل فلا شك أنه كافر بضوابطه وشروطه المعروفة.

ومن ثم فإن الأمور السابقة من تقديم محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النفس والولد والوالد والأهل وما إلى ذلك أن هذا كله من باب الكمال الواجب لا من باب أصل الإيمان المنافي للكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت