فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 293

قوله [ (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب) ] ... (الباء) في قوله (بفضل الله) تحتمل السببية وتحتمل أن اللفظ نفسه مقصود، فإذا احتملت السببية يكون هذا من جنس الشرك الأصغر، لأنه سبق أن نسبة المطر إلى النوء من باب السببية ومن الشرك الأصغر، وأما من اعتقد أن الكوكب هو الذي يؤثر في ذلك والنوء هو الذي يحدث ذلك على جهة الاستقلال والتصرف والتأثير هذا يكون من جنس الشرك الأكبر، فيفرق بين السببية وبين التأثير الاستقلالي. وقد سبق ذكر ذلك، وهذا احتمال يرد على الباء في قوله (بفضل الله) .

قوله [ (مطرنا بنوء كذا وكذا) ] إذ إنه جعل النوء سببًا في المطر ولم يذكر سببيته، وأما الجائز في باب ذكر الأنواء والكواكب والنجوم أنها من باب الحساب والعلامات لا من باب الأسباب. إذ إننا ذكرنا أن هناك شركًا أكبر وشركًا أصغر، ومباحًا.

ــ الشرك الأكبر: ما اعتقد فيه استقلالية تلك الأشياء أو تأثيرها في الأحوال الأرضية.

ــ الشرك الأصغر: إذا اعتقد سببيته.

ــ وأما كونها مباحة فهذا إذا استعملت من باب الدلائل إذا رأيت نوء كذا على حسب معرفة وعلم فقل هذا فيه دلالة على أنه قد يأتي مطر لا أنك تقول هو سبب مجيء المطر ولا أنه هو المؤثر في تحرك المطر وجلبه بل تعتبره دلالة قد تصيب وقد لا تصيب فلذا لا يقطع بها.

قوله [ (مطرنا بنوء كذا وكذا) ] يحتمل أن تكون من باب السببية، وفي الأصل أن باب السببية تكون من جنس الشرك الأصغر مالم يعتقد تأثيرها استقلالًا فتلحق بالشرك الأكبر على ما سبق، وأما الأمر الآخر فهو إلغاء معنى السببية وغيره من المعاني ويكون المقصد هو حرمة هذا اللفظ بعينه فلا يجوز أن يسند المطر إلى النوء، فإذا قيل مطرنا بنوء كذا فهذا من إسناد الشيء إلى غير صاحبه، وهذه اللفظة منهي عنها ولو اعتقد أنه ليس بمؤثر ولا سبب وإنما هو من باب العلامات، حتى وإن كان كذلك فإنك لا تستعمل هذه اللفظة لأنها هي وما في حكمها من الأمور التي منع عنها الشارع لحكمة.

وذكر بعض أهل العلم أن من الحكم في ذلك أن تكون ذريعة لاتخاذها سببًا يتعلق به الناس أو أنها مؤثر أو أن يعتقد السامع أنها مؤثرة في إيجاد هذا المطر، فحينئذ كان من باب سد ذرائع الشرك، فهذان المعنيان معنى السببية ومعنى النهي عن هذه الكلمة وما في حكمها، كلاهما قال بهما السلف رحمهم الله وجزم بالمعنى الثاني كثير، ومنهم ابن القيم رحمه الله في كتابه (بدائع الفوائد) .

قوله [ (فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) ] إن كان المعنى أنه من باب الشرك الأصغر على السببية فيحمل على كفر دون كفر، وإن كان من باب التأثير فيحمل على الكفر الأكبر المخرج من الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت