هذه الجملة فيها رد للعلم إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ورد العلم إلى الله وإلى رسوله له مقامان: ـ
ــ المقام الأول: أن يرد العلم إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - حال حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا شيء فيه، وهو من تمام الأدب معه - صلى الله عليه وسلم - وأجمع أهل العلم على ذلك، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله:"هذا من تمام الأدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -".
ــ وأما المقام الآخر: فهو إرجاع العلم إلى الله وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا له مقامان أيضا: ـ
* المقام الأول: أن يكون في مواطن التشريع، يعني ترجع علم الشيء الذي شرع إذا لم تكن عالمًا به إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا لا شيء فيه، كأن تُسأل: ماهي جلسة الاستراحة في الصلاة؟ ولا علم لك بها، فتقول: الله ورسوله أعلم، إذ إنك جزمت بشيء فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو عالم به، فلا شيء في ذلك، وهذا الذي يطلق عليه بإرجاع العلمية للرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في مواطن التشريع.
* وأما المقام الآخر: فهو إرجاع العلم إلى الله وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا في مواطن التشريع، وذلك كمواطن الغيبيات ومواطن الأمور الدنيوية وهذا أمر لا يجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن ربه ولا يعلم الغيب؛ فيتحصل أن إرجاع العلمية إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع مطلقًا ولا يباح مطلقًا بل الأمر فيه تفصيل على المقامين السابقين.
قوله [قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر] هذا من الأحاديث القدسية الموسومة بالأحاديث الإلهية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حكى عن ربه أنه قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) .
والحديث القدسي هو ما كان لفظه ومعناه، مبناه ومعناه من الله سبحانه وتعالى، هذا هو قول أهل السنة والجماعة، قول أكثرهم وجمهورهم، وذهب الأشاعرة وتبعهم بعض أناس من أهل السنة وهم قليل إلى أن الحديث القدسي لفظه ومبناه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعناه من الرب سبحانه وتعالى، وهذا على خلاف الوارد لأن الأصل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: (قال الله) أن يكون لله مبناه ومعناه ولا ينصرف بذلك إلا بدليل ولا دليل، وأما أن يقال إن الأحاديث القدسية قد تروى بالمعنى فهذا شيء جوزه جمهور أهل العلم لأننا لسنا متعبدين بألفاظها، خلافًا للقرآن فلا يجوز روايته بالمعنى لأننا متعبدون بألفاظ القرآن ولأنه معجز في مبناه ومعناه والأحاديث القدسية لم تنزل للإعجاز في مبناها.
قوله قال الله [ (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) ] (الباء) في قوله (بي) لا تحتمل إلا معنى الذاتية، أي: كافر بالله سبحانه وتعالى، كافر بما يتفرع عن ذلك، ويدخل في ذلك أوامر الله ويدخل في ذلك ما نهى الله عنه.