على بعض الناس أو على بلد معين يقع فيه مثل هذه الأشياء أو نحو ذلك، فيكون من الأمور النسبية لا من الأمور التي تشمل جميع الناس.
قوله [الفخر بالأحساب] الأحساب مأخوذ من الحسب كما قال الإمام الجوهري رحمه الله في كتابه (الصحاح) وهو حكاية مفاخر ومآثر الآباء، هذا هو الحسب.
وثَم فرق بين الحسب والنسب فليسا سواء، وذلك أن الحسب أعم من النسب والنسب نوع من أنواع الحسب فالنسب يتعلق بنسب المرء ووالده وجده إلى آخر نسبه، وأما الحسب فهو يتعلق بمآثر الآباء ويدخل في ذلك ما يفخر به بنسب إن كان ذو نسب شريف ويدخل في ذلك المقامات التي كانوا يمدحون فيها كدخولهم في بعض المعارك وفوزهم بها ونحو ذلك.
فيتبين أن بين الحسب والنسب عمومًا وخصوصًا مطلقًا، إذ إن الحسب أعم مطلقًا من النسب والنسب أخص مطلقًا من الحسب لأنه نوع من أنواع الحسب ومفرد من مفرداته.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما ذكر الفخر بالأحساب إنما أراد صورتين لا تجوزان: ــ
ــ الصورة الأولى: هو حكاية مآثر الآباء والأجداد على جهة الاستعلاء والخيلاء والكبر، فهذا من الأمور المحرمة الممنوعة لأنها قد صوحبت بما هو محرم ممنوع وهو الكبر والخيلاء.
ــ والصورة الثانية: هو جعل الأحساب من الأمور التي توجب تقديم الإنسان عند الله، فهذه من الأمور الباطلة التي أبطلها الإسلام. يقول الرب سبحانه وتعالى {وما أموالكم ولا أولادكم بالَّتي تقربكم عندنا زلفى} فالآباء والأموال والأولاد وغير ذلك ليست من الأمور التي هي عمدة في باب التقرب عند الله عز وجل أو في تفضيل شخص على آخر عند الله؛ والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إن الله قد أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية) ، وعبية الجاهلية معناها كما قال الإمام الخطابي رحمه الله في كتابه (غريب الحديث) :"عبية الجاهلية هي الكبر والنخوة"؛ وهذا هو المقصود في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم إن كلمة (عبية) فيها ضبطان، ضبط بضم العين المهملة مع تشديد الباء الموحدة مع تشديد الياء التحتية أيضًا وكسر الباء وفتح الياء التحتية (عُبِّيَّة) والضبط الآخر مثله إلا أن العين المهملة تكون فيه مكسورة (عِبِّيَّة) ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية والتفاخر بالآباء وإنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي والناس من آدم وآدم خلق من تراب) والحديث رواه الإمام أبو داود رحمه الله وصححه شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) هذه كلها من النصوص الدالة على منع هذه الصورة الثانية.