الكبير (فتح القدير) المقصود بالجاهلية هي: (جميع الأقوال والأفعال التي كان يفعلها أهل الجاهلية قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -) . فيدخل في ذلك الأقوال والأفعال والأحوال والهيئات كلها داخلة في أمر الجاهلية الذي ورد في قوله (أمر الجاهلية) .
وليعلم أن الجاهلية من حيث الإطلاق والتقييد قسمان: ـ
القسم الأول: قسم يتعلق بما كان قبل البعثة المحمدية، فهذا يطلق عليه جاهلية مطلقًا، فالزمان كله بما فيه كانوا أهل جاهلية.
القسم الثاني: هو أن يقيّد بشخص أو بلد دون أن يطلق على زمان كامل أو قرن كامل أو نحو ذلك، وهذا يكون بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الحق لا يندرس في الأمة حتى تقبض كما جاءت بذلك الأحاديث المشهورة الكثيرة من كون طائفة على الحق وأنها لا تزال منصورة.
وهذان النوعان الإطلاق والتقييد نص عليهما شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) فالإطلاق على زمن أو قرن إطلاقًا عامًا بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه عصر جاهلية أو بأنه جاهلية هذا على خلاف الصحيح الثابت في كتاب الله وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ثم إن أمور الجاهلية التي تفعل من قبل الناس بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - على أقسا م ثلاثة من حيث الشرك وعدمه ومن حيث الفسق وعدمه: ـ
القسم الأول: هي أمور كان الجاهليون يفعلونها وتوجب الكفر ومنها قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون} .
وأما القسم الثاني: فهو مايوجب الفسوق ويوجب الإثم وهو من أمور الجاهلية، ومنها ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا (كالفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة) .
وأما القسم الثالث: فهي أمور يفعلها بعض الناس على شاكلية ما كان يفعلها الجاهليون ولكنها لا توجب كفرًا ولا توجب فسقًا أيضًا، وإنما فعل شيئا كان يفعله الجاهليون أخطأ فيه ومثال ذلك: ما فعله أبو ذر رضي الله عنه عندما عَيَّر شخصًا بأمه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (أعيرته بأمه! إنك إمرؤٌ فيك جاهلية) وهذا الحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما، وفيه دلالة على أنه عمل شيئًا من أمور الجاهلية ولكنه لم يوجب فسقه ولم يوجب كفره، قاله شيخ الإسلام رحمه الله في (مجموع الفتاوي) .
قوله [لا يتركونهن] أي على وجه العموم، فعموم الناس لابد أن يقع شيء من هذه الأمور من بعضهم، وأما جميعهم يفعلون هذه الأشياء فهذا غير مفهوم من الحديث لأنه لابد أن يبقى أناس على الحق ويعملون الأمر الذي أمر الله به ويتنهون عن المخالفة، فيتبين أن قوله - صلى الله عليه وسلم - (لايتركونهن) محمول