فهو من مجريات العادات المحسوسة التي ليس فيها استكشاف لشيءٍ من أسترة الغيب التي اختص الله بها نفسه ذاته سبحانه. ولكن لا ريب أن القطع بوقوع الكسوف والخسوف في زمن معين ينافي الأسباب وفقه بابها.
وقد سبق معنا أن باب الأسباب يرجع إلى أمور منها: أنها لا تخرج عن قضاء الله وقدره، وأن السبب راجع إلى مسببه سبحانه وتعالى لا يخرج عنه قيد أنمله.
أما المسألة الثانية: فهي ما يسمى بـ (الأحوال الجوية) من وجود رياح أو مطر أو نحو ذلك من التوقعات التي يذكرها علماء الفلك؛ ولا ريب أن المسلمين الذين يزاولون هذا العلم عن معرفة ودراية به عبر الدلائل المشاعة في الكون لا شك أنهم يخالفون أهل الكهانة والدجل والمنجمين الذين يستدلون على ذات الأحوال ولكن بطرائق غير صحيحة، إذ إن المنجمين يزعمون تغير الأحوال الجوية بدلائل وضعوها، فإنهم يقسمون الطوالع والنوازل من الكواكب والنجوم على أقسام فمنها الناري ومنها الهوائي ومنها المائي ومنها الترابي، فإذا كان الطالع أو النازل هوائيًا فإنهم يزعمون أن الريح ستكون شديدة في اليوم الفلاني، وإذا كان الطالع مائيًا قالوا سيكون هناك مطر، ونحو ذلك مما يذكرونه، فهذه القسمة الرباعية لم يُنْزِل الله عليها سلطانًا ولا حجة ولا بينة، لذا لا تعتمد ولا يؤخذ بها وتكون من الكهانة والدجل التي نهى عنها الشارع الحكيم.
ثم إن التنجيم على الصورة السابقة التي يقولها المنجمون داخل في جنس الكهانة والعرافة، أما دخوله في جنس الكهانة فقد نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إذ إن معنى الكهانة واسع عام يشمل التنجيم وأما معنى العرافة فقد نص عليه الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره المعروف إذ إنه جعل العرافة معنى عام يدخل فيه التنجيم والمنجم، ومن ثم هذه الأمور الممنوعة والشعبذة المعهودة عن السحرة والكهنة والعرافين داخلة في المعنى الأصلي للعرافة والكهانة كقوله - صلى الله عليه وسلم - (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) إلى غير ذلك من النصوص.
وأما الاستدلال على الأحوال الجوية بقوانين صحيحة ليس فيها وفاق للقواعد التي قررها المنجمون على نحو ما وصفنا سابقًا كالاستدلال بوجود رياح لوجودها في الأماكن القريبة من المكان الذي ترصد فيه الأحوال الجوية فلا شيء في ذلك فإن كثيرًا من الأحوال الجوية التي تقال إنما بنائها على الأرصاد الجوية الموضوعة بجوار هذه المناطق التي يذكر شيء من أحوالها في المستقبل، ومن ثَمَّ يتبين أنها من باب الأخذ من شيء قريب ليقاس عليه شيء قريب ونحو ذلك فهذا كله ليس خارج عن أمر الله الشرعي وإنما هو داخل في المباحات و الأمور الجائزة كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم ومنهم ابن قيم الجوزية في كتابه (مفتاح دار السعادة) .