فلا يدفع تلك المصائب إلا الله سبحانه وتعالى، والحسنات واحدها حسنة وهي النعمة فلا يعطي أحد النعمة إلا بارئها سبحانه وتعالى وخالقها وهو الرب عز وجل.
قوله [ (ولا حول ولا قوة إلا بالله) ] الحول: هو الانتقال والحؤول إلى الشيء، فعلق المرء انتقاله إلى شيء تفاؤلًا وتشاؤمًا وغير ذلك، وعلق قوته وهي التي تجعله يذهب إلى الشيء أو يمتنع عنه علق ذلك كله بالله سبحانه وتعالى، فعندما يقول الإنسان هذا الذكر لا ريب أنه يذكره بتمام التوكل الذي يخرجه من التطير الممنوع.
قوله [وعن ابن مسعود مرفوعًا (الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا ... ولكن الله يذهبه بالتوكل) رواه أبو داود والترمذي وصححه] هذا الحديث رمز السيوطي إليه رحمه الله بالحُسْن وصحَّحه الإمام الهيثمي رحمه الله في (مجمع الزوائد) .
قوله [ (الطيرة شرك) ] يعني ما أوجب مسيرًا في الشيء أو انكفافًا عنه، كما سبق بيانه على أنه شرك أكبر أو شرك أصغر، وهذا هو الذي يحكم عليه بأنه شرك؛ وقوله (شرك) يحتمل أن يكون أكبر ويحتمل أن يكون أصغر. وإنما قيل بهذين الاحتمالين لما سبق بيانه من كون الطيرة توقع الإنسان في شيء من موجبات الكفر الأكبر وهو إعطاء غير الله حق الله، كشيء من صفات ربوبيته سبحانه وتعالى كالضر والنفع أو التدبير للكون، وقد يكون شركًا أصغر كاعتقاد الشيء سببًا وليس سببًا لا شرعًا ولا حسًا وهذا ـ ولا ريب ـ من جنس الشرك الأصغر.
قوله [ (وما منا إلا .. ولكن الله يذهبه بالتوكل) ] هنا جملة مقدرة لم يذكرها ابن مسعود رضي الله عنه، قال الإمام الخلخالي رحمه الله: إنما لم يذكرها ابن مسعود من باب تمام الأدب، لأنه لا ينبغي أن يذكر الإنسان الذنب الذي قد يرد عليه، والخاطرة السيئة التي قد تخطر في ذهنه، فكان من تمام أدبه رحمه الله ورضي عنه أنه لم يذكر ذاك الذنب أو تلك الخاطرة. أ. هـ
وتقديرها كما قال الإمام المنذري رحمه الله كما في كتابه (الترغيب والترهيب) قال: أي إلا يقع في قلبه شيء من ذلك، وقوله (يقع في قلبه شيء من ذلك) يُحْمَل على أحد أمرين.
الأول: أنه كان يقع في قلبه شيء من ذلك قبل دخوله في الإسلام فكان يعمل بالتطير الشركي الذي يوجب انعقاد القلب على عزم المضي فيه أو عكس ذلك.
وأما الاحتمال الآخر: فهو أن المقصود أن القلب ضعيف ومحاط بمثل ذلك فقد تخطر الخاطرة على القلب الضعيف من التطير بشيء أو التنحس بطائر أو نحو ذلك، ولكن المؤمن يجاهدها ويدفعها وإذا دافع الإنسان مثل هذه الأمور وجاهد نفسه على ألا تبقى في فؤاده فلا ريب أن تلك الأمور لا أثر لها على قلبه.