الثاني: نوع دون الكفر، كخفة اليد والتلاعب على الأعين ونحو ذلك، وهذا لايوجب كفرًا ولا يحكم على صاحبه بالكفر، ومن ثمّ لا يُحْكم بقتله. وبهذا تجتمع النصوص، وتستقرَّ عليه فُهوم كثير من أهل التحقيق كالشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه (أضواء البيان) .
قوله [في صحيح البخاري] ـ يعني مسندًا ـ [عن بجالة بن عبدة التميمي قال: كتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه (أن أقتلوا كل ساحر وساحره) قال: فقتلنا ثلاث سواحر] .
قوله [فقتلنا ثلاث سواحر] ليس موجودًا في صحيح البخاري، ولكن هذه الرواية هي رواية أحمد في مسنده، وقد صححها الإمام ابن حزم رحمه الله كما في كتابه (المحلّى) . وفي هذا دلالة واضحة على أنّ كل ساحر وساحرة يُقْتل. ولكن على القول بالتفصيل يحمل على أنه سحر يخرج من الملّة.
قوله [وصحّ عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت] أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق ابنه عبدالله وهو أثر صحيح السند، وكذلك ماجاء عن جندب فهو صحيح. واختلف هل المقصود جندب الخير أم غيره والذي تشهد له الرواية أنه جندب الأزديّ لا جندب بن عبدالله البجلي. وفي هذا دلالة ـ أعني أثر حفصة وأثر جندب ـ فيه دلالة على أنّ قتل السحرة الذين سحرهم يوجب الكفر قد استقرعند الصحابة وأن دمهم هدر. وهاهنا مسألة وهي: هل السحر له حقيقة أم لا؟ ثم إن كان له حقيقة، فما مدى تأثيره على الناس؟
الصحيح أن السحر نوعان: فمنه ماله حقيقة، ومنه ماهو من باب التخييل لاحقيقة له.
والأول: ما له حقيقة وقد يُفرّق به بين الزوجين، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سحره لبيد بن الأعصم حتى إنه ليخيّل إلى النبيّ أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، وهذا يدل على أن النوع الأول له حقيقة وتأثير.
وقد اختلف الناس في مدى تأثير الحقيقي، والصحيح: أن فيه طرفين وواسطة: ـ
أما الطرفان فأولهما: طرف مجمع عليه وهو أنه يُفَرِّق بين الزوجين، ويفسد العلاقات الزوجية. وقد حكى الإجماع ابن تيمية والقرطبي ودليله: آية هاروت وماروت.
وأما الطرف الثاني: فهو أن السحر لا يستطيع صاحبه به أن يَصِل إلى أمر من خصائص الله، كاستكشاف الغيب وإحياء الموتى فهي من خصائص الله، وقد أجمع على ذلك أهل الملّة. قاله ابن تيمية وابن القيّم وغيرهما رحمهما الله.
وأما الواسطة فهي التي جاء فيها الاختلاف: وهي تأثير الساحر في الشيء بحيث يقلبه عن صورته، كقلبه الخشبة ذهبًا، فهذا فيه خلاف. وأكثر الذين يستدلون بصحة ذلك يأتون بأخبار واهية أو