فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 293

بالسيف. ويشهد لهذا القول نصوص ذكرها المصنف في هذا الباب، ومنها أثر جندب الذي رواه الترمذي وله حكم الرفع، وفيه إطلاق بحدّ الساحر، وكذلك ما ذكره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كتب إلى جهة معينة أو جهات بأن يقتل كل ساحر وساحرة، وكذلك ما جاء عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها.

فهذا كله فيه دلالة على أن الصحابة استقرّ في نفوسهم أن الساحر يقتل، وأنه قد كفر بالله، وإلاّ لما قتلوه أو ضربوه بالسيف. قال العلامة عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى في ... (فتح المجيد) : (وفي أمر عمر بقتل كل ساحر وساحرة وعدم نكير الناس عليه وإنكارهم دلالة على أن كل ساحر وساحرة يقتل) .

ومن ثمّ تعلم سبب مجيء الإجماع في كلام ابن تيمية رحمه الله بأن الصحابة جميعهم لم ينكروا على عمر وأنهم قد وافقوه على ذلك؛ ومن ثمّ عدّه إجماعًا، ولكنّه أشار إلى أنّ هذا الإجماع غير منضبط فقال: بل أكثرهم.

وذهب آخرون إلى أنّ ذلك الساحر غير كافر؛ لأنّ الكفر ينبغي أن لاينزّل إلاّ بيقين ومن ثمّ تأتي أحكام الردّة على من كفر بعد إيمان؛ فاليقين أنّ كل من عمل شيئًا من الشعبذة والشعوذة والسحر ونحوه أنّه باقٍ على الإسلام مالم يصل ذلك السحر والشعبذة التي يفعلها إلى رتبة الكفر ومن ثمّ قالوا: لايحكم على كل ساحر بأنه كافر، ولا يحكم على كل من سحر بالقتل بالسيف وغيره.

وقد رجّح جمع من أهل العلم كصاحب (أضواء البيان) أنّ المسألة فيها تفصيل، فما كل ساحر كافر وما كل ساحر يقتل، بل يُفَرَّق بين سحر وسحر وبين ساحر وساحر، فما أوصل به السحر صاحبه إلى الكفر ودائرته كان كافرًا وما كان دون ذلك فلا يكون كفرًا. ويدل على ذلك أنّ جندب الأزديّ ــ وهو جندب الخير ـ ثبت عنه في (التاريخ الكبير) للبخاري أنه رأى رجلًا يوهم الناس ويخيل إليهم أنه يقتل شخصًا ثمّ يحييه، وهذا باتفاق أهل العلم ليس من الكفر الصريح الموجب لصاحبه الكفر؛ لأنه من أنواع التخييل والتلاعب على الأعين، وهذا قد يصاحبه خفة يدٍ ونحو ذلك مما لا يُعَد كفرًا. فإذا كان الأمر كذلك وقد قام جندب بقتل ذلك الرجل؛ فإنه يدل على أنه ما كلُّ ساحر كافر وما كل سِحْر كفر، بل السحر نوعان: ــ

الأول: ما أوجب كفر صاحبه، كأن يسجد للأرواح الخبيثة والشياطين ويستعين بهم ويحاول استكشاف الغيب، فهذا كافر بالإجماع، ويدل عليه قوله سبحانه {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} فقوله {فلا تكفر} فيه دلالة على أن التعلم للسحر كفر. والسحر المقصود في الآية هو: السحر الذي يوجب الكفر؛ لأنه فيه تفريق بين الزوجين واستكشاف للغيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت