مداينة السَّفيه وحَكَمَ بصحة إقراره في مداينته، وإنَّما خالف بينه وبين غيره في إملاء الكتاب؛ لقصور فهمه عن استيفاء ماله وما عليه مما يقتضيه شروط الوثيقة، وقالوا:"إنَّ قوله تعالى ـ ـ ـ ـ ـ إنَّما المراد به ولي الدَّيْن، وقد رُوِيَ ذلك عن جماعة من السَّلف قالوا: غير جائز أنْ يكون المراد ولي السَّفيه على معنى الحَجْر عليه وإقراره بالدَّيْن عليه؛ لأنَّ إقرار ولي المحجور عليه غير جائز عليه عند أحد، فعلمنا أنَّ المراد ولي الدِّيْن، فأمر بإملاء الكتاب حتَّى يقر به المطلوب الذي عليه الدَّيْن [1] ."
[2] كما استدلوا بما روى الزُّهريّ عن عروة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنَّها بلغها أنَّ ابن الزّبير بلغه أنَّها باعت بعض رباعها، فقال: لتنتهينَّ وإلا حجرت عليها، فبلغها ذلك فقالت:"لله عليَّ ألاَّ أكلّمه أبدًا".
فوجه الاستدلال: أنَّه قد ظهر النَّكير من عائشة في الحَجْر، وهذا يدلُّ على أنَّها لم تر الحَجْر جائزًا، ولولا ذلك لما أنكرته إنْ كان ذلك شيئًا يسوغ فيه الاجتهاد، وما ظهر منها من النَّكير يدلُّ على أنَّها لا تسوغ الاجتهاد في جواز الحَجْر، فقد أنكرت الحَجْر على الإطلاق بقولها:"لله عليَّ ألاَّ أكلّمه أبدًا"، ودعوى إنكارها للحجر عليها خاصّة دون إنكارها لأصل الحَجْر ... ؛ لأنَّه لا دلالة معه [2] .
[3] رُوِيَ عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ رجلًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يبتاع وفي عقدته ضعف، فأتى به أهله نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا نبي الله احجر على
(1) انظر: أحكام القرآن، للجصاص، 1/ 487.
(2) انظر: أحكام القرآن، للجصاص، 1/ 490.