وعقد الإجارة يؤدّي إلى تملّك منفعة الشيء المستأجر خلال مُدّة الإيجار، والإجارة قسمان كما مَرّ سابقًا: إجارة منافع الأعيان؛ كإجارة المنزل للحصول على منفعته، ويملك المستأجر في هذه الحالة ـ حريَّة التّصرّف في هذه المنفعة، والتي من بينها القيام بوقفها ـ حسب رأي المالكيَّة، وهو الذي ذكروه بشكلٍ صريح في تعريفهم للوقف [1] ، كما في تعريف الدّردير «جعل منفعةِ مملوكٍ ولو بأجرةٍ أو غلّتِهِ لمستحقٍّ بصيغةٍ مُدّة ما يراه المحبِّس» ثمَّ قال بعد ذلك: «وشَمَل قوله ولو بأجِرَةٍ ما إذا استأجر دارًا مملوكة، أو أرضًا مُدّةً معلومة وأوقف منفعتها ولو مسجدًا في تلك المدّة» . وهذا النّوع خارجٌ عن إطار الدّراسة.
أمّا النّوع الثّاني من الإجارة فهو الإجارة على الأعمال؛ حيث يمتلك ربّ العمل ـ صاحب المؤسَّسة، أعضاء الشركة ـ منفعة العمّال بمجرّد توقيع العقد معهم. فهل يجوز لهم التّصرّف بتلك المنفعة ـ بما فيها وقفها؟ قبل بيان الحكم لا بُدَّ من الإشارة إلى الآتي:
يشهد قطاع الأعمال أو الخدمات تطوّرًا كبيرًا وسريعًا في عالم اليوم، وهناك دولٌ يشكّل فيها قطاع الخدمات موردًا مهمًّا من موارد الدّخل القومي [2] ، حيث تقوم مُؤَسَّسات وشركات القطاع الخاص بتأمين القسم الأكبر منها، وذلك في البلاد التي يحتلّ القطاع الخاصّ موقعًا مهمًّا في النّشاط الاقتصادي. وكلّما تقدّمت المجتمعات وتطوّرت كلّما أوجدت خِدْمات لم تكن موجودة من قبل، أو رُبما كانت موجودة لكن بشكلٍ ضئيل، كما هو الحال بالنّسبة لخدمة النّقل على اختلاف أنواعها؛ والتي تقوم بها شركات الطيران والسّكك الحديديَّة، وهذا النّوع من الخِدمة تقوم به مؤسّسات القطاع الخاص في كثير من دُوَلِ العالم.
أمّا بالنسبة لبيان حُكْمِ وقف العمل اليدوي المؤقَّت الذي يظهر من خلال مشروع، أو حكم وقف منفعة العمّال المؤقَّتة من قبل ربّ العمل، فإنّ الباحث يرى مشروعيَّة ذلك للآتي:
1.تحدّث المالكيّة عن حُكْم وقف منفعة رأس المال المادّي المستأجر لمدّةٍ زمنيَّة محدّدة (خلال المدّة المذكورة في عقد الإيجار) . وهذا يعني أنّ
(1) انظر ما تقدّم تعريف المالكيّة للوقف ص 7.
(2) كما هو الحال بالنّسبة لبلد الباحث لبنان.