من أهل الجنة، فيغمس في النار غمسة فيقال له: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا يا رب)، ولهذا الإنسان ينسى النعيم وينسى الجحيم الذي مر به، والمعصية لذتها وقتية، ولكن عقابها أمدي سرمدي إن كان من أهل النار، وإن كان من أهل الإيمان إن شاء الله عز وجل عذبه، ولكنها تبقى في قلب الإنسان حسرة في هذه الدنيا، وللمعصية ذنب وشؤم على قلب الإنسان، وغشاوة وران عليه حتى يغلب ذلك عليه، ويكون من أهل المعصية وأهل الذنوب، بل ربما كان من أهل النار قطعًا إن ارتكب شيئًا يكفره ويخرجه من دائرة الإسلام.
والذي يريده المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا أن الإنسان مهما تمتع بالحرام واستلذ به إلا أن تلك النعمة تزول بلحظتها، ويبقى شؤمها في قلب الإنسان، وعاقبتها يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة، والدنيا دار امتحان واختبار، وقد فطر الله عز وجل قلب الإنسان على ملذات، ومنعه منها، وفطره على تتبع بعض الأمور ومنعه منها، والإنسان يكره الكلفة والمشقة، وقد سمى الله عز وجل الأوامر الشرعية تكاليف، قال سبحانه وتعالى: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ، فسماها تكاليف، لكنها بالوسع، أما إذا خرجت عن طاقة الإنسان ووسعه، فالله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
والله عز وجل اختبر الإنسان بما حف بالجنة من مكاره، واختبره بما حف بالنار من شهوات، فالإنسان يسعى إلى شهواته ونزواته، ويريدها ويريد تحصيلها، والله عز وجل قد منعه من ذلك، وفتح له باب عوض، فحرم عليه الزنا، وأباح له النكاح، وحرم عليه أكل الربا، وأحل له البيع، فما من شيء يحرمه الله عز وجل إلا ويفتح للإنسان بابًا آخر، لكن قد يفتح بابًا من أبوب الشر، ويكون ذلك الباب أوسع من الخير امتحانًا وفتنة للناس.
لكن قد يقول قائل: ولم؟
يقال: لحكمة بالغة، فالإنسان لا يسعى لمعرفة الحكم، وإن كان لا يؤمن إلا بحكمة فهذا ضرب من ضروب الاعتزال، وهذا الموطن هو الفيصل بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ومن ذلك لماذا كفر كفار قريش، وألحدوا بدين محمد صلى الله عليه وسلم؟ ومالوا عن الحق وعن جادته إلى طريق الغواية والضلال؟ لأنهم ما رأوا الحكمة والبينة، وقد خاطبهم بعقولهم، قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275] ، فما علموا الحكمة الشرعية التي حرم الله عز وجل لأجلها الربا، وأحل الله عز وجل البيع.
والله عز وجل يحرم المحرمات ويبين الواجبات، ولكنه لا يبين الحكمة من ذلك التشريع في كل حين، ولو بانت الحكمة كالشمس لكل الناس لما ضل عن الشريعة إلا المجانين، ولكن الله عز وجل بين الحكمة لبعض الأحكام الشرعية، ولما يعرف حكمته فإن الإنسان يزداد بذلك إيمانًا ويقينًا.