هو اعتزال مخصوص، واعتزاله لهذه المجالس هو اعتزال لذلك الفعل.
وقد يكون الاعتزال اعتزالًا لفرد، كما حث الشارع على البعد عن جلساء وخلطاء السوء، فحذر الشارع من مخالطة أصحاب الفساد وأصحاب المنكر، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه صاحب السوء بنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن يحذيك ريحًا سيئة.
وهذا النوع الذي أشار إليه المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا هو من الاعتزال المخصوص.
وقوله: (ذكر الأغاني والغزل) الأغاني جمع غانية، وهي الجارية الفاتنة التي تصرف الإنسان عما يحتاج إليه في دينه ودنياه، فيكون حينئذٍ قد اتبع شهوته، وما اتبع عقله، وهذا من الاعتزال المخصوص.
وأما الغزل فمراده بذلك الألفاظ التي يتغزل بها الإنسان بوصف مفاتن النساء والجواري؛ مما يجعل الإنسان من سقطة الناس، ولسانه بذيئًا لا يحمد.
... أهمية صون اللسان وحفظه
والمصنف عليه رحمة الله تعالى أشار إلى هذا المعنى وهذا الباب؛ لكي يكمل للإنسان لسانه، ويظهر هنا أنه ابتدأ بصون اللسان، وهو من أعظم ما يوبق الإنسان أو يرفعه، ويقال في المثل: لسانك حصانك إن صنته صانك، وإن خنته خانك، وهذا معناه أن اللسان إما أن يرفعك وإما أن يضعك، وهو دليل على العقل، وتسمى الألسنة مغاريف، والعقول قدورًا، فهذه المغاريف تدل على ما في القدور، وإذا أراد الإنسان أن يغرف من قدر، فإن المغراف لا يخرج إلا ما في القدر، ولا يخرج شيئًا آخر، وإذا تكلم الرجل بلسانه بكلام بذيء دل على سوء عقله ونقصانه، وإن تكلم بخير دل على رجاحة عقله واتزانه، وهذا ظاهر ومعلوم عند الناس عامة شقيهم وسعيدهم.
... اعتزال كتب الأغاني والغزل
وينبغي للمرء كما أنه يبتعد في هذا الباب، كذلك عليه أن يبتعد عن القراءة في مثل هذه المعاني، كقراءة الكتب التي تصنف في الغزل والأغاني، فيبتعد عنها كلها، وكل ذلك مذموم غير ممدوح في العقل والشرع، والإنسان إذا عدل النظر بالقراءة في المعاني السيئة في هذا الباب، فحينئذٍ يتشرب قلبه من تلك المعاني السيئة من حيث لا يشعر، ويجري ذلك على لسانه.
ولا زال الناس من أهل العلم والأدباء يصنفون في هذا الباب الغث والسمين، ومن هذا الباب مصنف صنفه الإمام الأصفهاني عليه رحمة الله تعالى سماه الأغاني، قد ملأه بالفحش والبذاءة، وإن كان من كتب الأدب