بزي الأغنياء وهو فقير، وقلما أحد من الناس إلا وهو لا يوازن بين ماله وحاله، وهذا معلوم مشاهد.
قال المصنف رحمه الله:
[وادرع جدًا وكدًا واجتنب صحبة الحمقى وأرباب الخلل]
تقدم أن الله عز وجل هو الذي يقسم الأرزاق بين العباد، فلا يظن من كلامه ذلك أن على الإنسان أن يتعطل، فلا يجد ولا يكد، بل ينبغي له أن يدرع جدًا وكدًا، ويجتنب صحبة الحمقى وأرباب الخلل، أي: الذين لا يحسنون العمل، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم بعمله بنفسه، فيخسف نعله، ويغسل إناءه، كما جاء في الخبر المشهور.
... التوسط في النفقة بين التبذير والبخل
قال المصنف رحمه الله:
[بين تبذير وبخل رتبة فكلا هذين إن زاد قتل]
المراد بذلك هو التوسط، وخير الأمور أوسطها، وقد يزيد كرم الإنسان ويصل إلى درجة التبذير والإسراف، والله عز وجل قد نهى عن ذلك بقوله: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:141] ، والإسراف هو أن يضع الإنسان المال بغير موضعه من غير حاجة.
أما في باب الصدقة، فهل يدخل الإسراف أن الإنسان ينفق من ماله ما استطاع من غير حد؟
يقال: إن الصدقة إن أنفق الإنسان منها لله سبحانه وتعالى يتقبلها الله عز وجل منه، لكن ينبغي للإنسان ألا يدع أبناءه عالة، ولذلك سعد بن أبي وقاص عليه رضوان الله تعالى لما حضرته الوفاة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! إني كما ترى، ولا يرثني إلا ابنة لي، سأتصدق بثلثي مالي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا. فقال: بشطر مالي؟ قال: كثير. فقال: بثلث مالي؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع أبناءك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) ، وقد ذكر عن بعض السلف أنه قال: (لأن ألقى الله سبحانه وتعالى وأخلف مالًا خير من أن ألقى الله عز وجل وقد تركت أبنائي عالة) .
فينبغي للإنسان أن يتوسط ويعتدل في ذلك كله، سواءً في باب الدنيا أو في باب النفقة والصدقة، وهذا حمله بعض العلماء على الإنسان في آخر حياته أو حضره الموت، أو ترقب حضوره، كأن يكون به مرض مخوف