عين اليقين، فثمة تكذيب، وثمة شك، وثمة ريبة، وثمة ظن، وثمة غلبة ظن وثمة يقين، وثمة عين اليقين وهو أعلى الدرجات، وهو أن يعاين الإنسان الحقيقة، ولا يوجد بعد هذا اليقين شيء، فإن عاينها، وإن كانت في أعلى درجات المرارة، ثم تجاوزها فإنه لا يتذكرها كما يتذكر غيرها، بل ربما لو شاكته شوكة لتمنى تلك الأيام؛ لأنه يعيش ذلك الألم فقط وينسى.
وقد سمى الله عز وجل جماعة الناس أو الجماعة من الإنس ناسًا؛ لنسيانهم، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنه ينسى، ولو لم ينسَ الإنسان المصائب وما يحل فيه من بلاء وفتنة لما عاش الناس إلا مغمورين، ولكن الله عز وجل ينسي الإنسان مصائبه، وما حل فيها من فاقة وموت قريب ونحو ذلك، ولو استحضره في تلك اللحظة لتقطع قلبه كمدًا، ولكن الله عز وجل رءوف بعباده، ولذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى قال هنا: (دع) ما مضى؛ لأنه قد سطر عليك وانتهى.
إذًا قوله: (دع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تذكرها، وهنا يمثل فقط، فعليه أن يدع الذكرى لأيام الصبا التي لا تغني الإنسان، والإنسان ليس هنا ممنوعًا أن يذكر أيام صباه ويذكر أيام ما مضى من التاريخ، لكنه لا يشغل نفسه بحكايات الصبا ويتمناها، وهو ابن يومه ومخاطب ومحاسب على ذلك.
وقوله: (فلأيام الصبا نجم أفل) الأفول هو الانصرام، يقال: أفل النجم إذا غاب، وأفلت الشمس إذا غابت، وكذلك القمر، فنجم الصبا حينما يأفل انقضى وجف القلم به، فينبغي للإنسان أن ينشغل بيومه، ولا ينشغل بغير ذلك.
... ذهاب اللذة وبقاء الإثم وشؤم المعصية
قال المصنف رحمه الله:
[إن أحلى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل]
أي: أن الإنسان ينسى اللذة، والله عز وجل قد جعل الجنة محفوفة بالمكاره، والنار محفوفة بالشهوات، وهذا من موطن الفتنة والامتحان والاختبار.
والله عز وجل قد جعل الإنسان ينسى اللذة وينسى الألم، وهذا كله من رحمة الله سبحانه وتعالى، فالإنسان حينما يدع لذة من لذات الدنيا لأجل الله سبحانه وتعالى وجعله ينساها، فهو كمن أخذها وتمتع بهذه اللذة من الغد، جعلهم سيان في العقل والفكر، وقد جاء في الخبر: (يؤتى بأغنى أهل الدنيا وأنعمهم، فيغمس في النار غمسة من أهل النار، فيقال له: هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب. ويؤتى بأشد أهل الدنيا بأسًا وأشقاهم