قوله: (واهجر النوم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل) أي: لا بد للإنسان حينما يريد أن ينال مناله من العلم والمعرفة أن يهجر ضد ذلك، من النوم والكسل والراحة والدعة، وفي ذلك يقول الشاعر:
لا تحسبن المجد تمرًا أنت آكله لن تنال المجد حتى تلعق الصبر
أي: لا بد أن يمر عليك من الألم والتجرع وهجران المضاجع ونحو ذلك حتى تنال الرفعة والمنزلة العالية عند الله سبحانه وتعالى، وتبتعد عن لذائذ الدنيا، ويقول الشاعر:
لا تركنن أن تعود سهر الليل فإن النوم خسران
لا تركنن إلى الذنب فإن الذنب نيران
... طلب العلم حتى في الكبر
قوله: (لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل) أي: لا تقل قد فاتك العلم، فالعلم يطلب في كل حين حتى على الكبر، و البخاري ترجم في صحيحه في كتابين، قال: باب تعلم العلم في الكبر، ثم قال: وقد تعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، أبو بكر تعلم وتفقه، و عمر بن الخطابعليه رضوان الله تعالى، كلهم قد بلغوا المشيب، وحينما دخلوا الإسلام وأصبحوا من الفقهاء في الإسلام، و معاذ بن جبل من أعلم الناس بالحلال والحرام، ويأتي يوم القيامة أمام العلماء برتوة، وهو من كبار السن كذلك.
والعلم لا يحصره زمن ولا وقت ولا سن معين، وقد جاء عن غير واحد من أئمة الإسلام أنهم تعلموا في الكبر، فابن حزم الأندلسي ابتدأ العلم بعد الأربعين، وقد برع في ذلك حتى أصبح من أذكياء الدنيا، كما سماه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.
ومن أعظم مداخل الشيطان على طالب العلم أن يقنطه من الحصول على مناله في العلم والمعرفة، كمضي العمر وتمكن من هو دونه في العلم، وتقصيره في ذلك، وربما ضعف في عقله أو ضعف في فهمه، وعدم تدبره أو عدم حفظه ونحو ذلك، وعقول الناس كلها واحدة، والله عز وجل خلق الناس على أحسن تقويم، فهم يتفاوتون، فمن ربى نفسه على الفهم والحفظ فإنه يكون من أهل الفهم والحفظ، ومن رباها على غير ذلك فإنه يكون من دون ذلك، والإنسان إذا اعتاد على الحفظ والمدارسة والفهم فإنه يكون من أهل الفهم والذكاء، وإذا ربى نفسه على غير ذلك فإن النفس توطن وتساس بحسب ما يسوسها به صاحبها.