صاحب سلطان ثم انعزل عن ذلك، فإنه يلقى من الألم والحسرة التي تمحو ما وجده من لذة تلك النعمة، حتى لو قيل له: لو تمنيت أنك لم تتول ذلك المنصب بعد عزلك منه لتمنى ذلك، والمناصب لا تدوم لأهلها، يقول الشاعر:
إن المناصب لا تدوم لأهلها إن كنت في شك فأين الأول
أي: أين من سبقك؟ قد ذهب وانعزل، إما بوفاة، أو عزله ممن هو أقوى منه، وما يقع من حسرة في قلب الإنسان من ذلك يتمنى أنه لم يحصل له من ذلك شيء أصلًا.
وقوله: (فالولايات وإن طابت لمن ذاقها فالسم في ذاك العسل) الولايات جمع ولاية، وهي التي يتولاها الإنسان سواءً كانت ولاية كبرى أو ولاية صغرى، وإن كانت لذيذة فيها رفعة ونحو ذلك، (فالسم في ذاك العسل) أي: في حال عزله كما أشار إلى ذلك المصنف عليه رحمة الله، أو ما يحوله من لذائذه من عدم حريته في ذهابه ومجيئه ونحو ذلك.
وقوله: (نصب المنصب أوهى جسدي وعنائي من مداراة السفل) وذلك أنه مشغول ومهموم بأمور الناس، وقد جاء أحد أصحاب عمر بن عبد العزيز عليه رضوان الله تعالى إليه بعد أن ولي الخلافة بثلاثة أيام، فوجده قد نحل جسمه بسبب هموم الناس، فقال له عمر: (كيف لو رأيتني في قبري بعد ثلاثة أيام) .
قال المصنف رحمه الله:
[قصر الآمال في الدنيا تفز فدليل العقل تقصير الأمل]
الأمل لا ينبغي للإنسان أن يزيله من حياته، فلولا الأمل ما عاش الناس، لكنه هنا يقول: قصر الأمر لا تجعله طويلًا، أي: اجعل لك أملًا تعيش به وتحيا به وترجو شيئًا من الحياة ولذائذها، لكن لا تجعل الأمل طويلًا، فلو لم يكن في هذه الدنيا أمل للناس ما عاشوا، وإلا لما كان لديهم في عقولهم إلا تذكر الماضي وآلامه، وكفى بذلك حسرة.
... الوجل عند تذكر الموت
قال المصنف رحمه الله: