في الكنانة، فلا تتصدى لنقدي فإني سأهجوك بكلام يؤذيك، ويصيبك في مقت.
قوله: (لا يغرنك لين من فتى) أي: لا ترى كما تقدم من كلامي أني صاحب تربية ولين وسلوك ونحو ذلك، إنني إن تعدى عليّ شخص بأذية وسب وقدح، فإنني سأكون لينًا معه، كلا، فإني سآخذ حقي منه منصفًا، (فإن للحيات لينًا يعتزل) فمع أنها لينة إلا أن الناس يبتعدون منها.
وقوله: (أنا مثل الماء سهل سائغ) أي: إن أردت أن تستفيد مما أعطيك فأنا كالماء تحيا به، فقد جعل الله عز وجل من الماء كل شيء حي، وإن أردت أن تشرب مني فإني سأعطيك سائغًا ماء يرويك، ومتى سخن الماء يؤذيك، أي: إذا أغضبت، والغضب في لغة العرب هو غليان دم القلب للانتقام ممن أثار الإنسان، (ومتى سخن آذى وقتل) يؤذي الإنسان أو يقتله.
وقوله: (أنا كالخيزور صعب كسره) المراد بالخيزور هو أعواد الخيزران، لا تكسر وتلوى إذا كانت رطبة لينة، لا تكسر فيستفيد منه الإنسان على أية حال، إن أراد أن يثنيها أو يلويها ونحو ذلك، لينة أينما أبداها، ولا يستطيع أحد أن يكسرها إذا كانت رطبة طرية.
قال المصنف رحمه الله:
[غير أني في زمان من يكن فيه ذا مال هو المولى الأجل
واجب عند الورى إكرامه وقليل المال فيهم يستقل]
يشير في هذا البيت إلى أنه ليس بصاحب مال، وهذه هي المنقصة في أعين بعض الناس، والناس يميلون لصاحب المال، وفي ذلك يقول الشاعر:
رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال
رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب
أي: أن الناس يميلون إلى صاحب المال، وإن كان وضيعًا، أو سيئ الخلق، إلا أنه يشير بأنه صاحب مال يسعى إليه، وهذا معلوم مشاهد، وكأن المصنف عليه رحمة الله يشير هنا أن مع ذلك كله أنه كالماء لمن أراد أن يشرب منه، وكالخيزران اللين الذي لا يكسر، لكن يستفيد منه الإنسان، لكنه ليس بصاحب مال.