[وأنا لا أختار تقبيل يدٍ قطعها أجمل من تلك القبل]
أي: أنني لا أتزلف بذلك الشعر الذي وهبني الله عز وجل إياه، لكي تقبل يدي، أو أقبل يد فلان؛ ليحصل لي شيء من نصيب الدنيا، وقد ذم العلماء عليهم رحمة الله تقبيل اليد، فذكر الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في كتاب الورع من حديث سليمان بن حرب قال: (تقبيل اليد تلك هي السجدة الصغرى) ، أي: أنها مذمة، وقد مال بعضهم وهم قلة من السلف إلى تحريمها وليس بصواب، فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد قبلت يده، وثبت عن العباس بن عبد المطلب أنه قبلت يده، وثبت عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه رخص في ذلك، وهذا عليه عامة العلماء عليهم رحمة الله تعالى.
واختلفوا في تقبيل القدم، هل تقبل القدم أم لا؟
إذا كانت لأب أو أم فإنه لا حرج في ذلك، لكنه لا يكثر منها؛ لأن فيها شيئًا من الإذلال والخضوع، والأولى ألا يكون إلا لله سبحانه وتعالى.
قال المصنف رحمه الله:
[إن جزتني عن مديحي صرت في رقها أولى فيكفيني الخجل]
وذلك أن الإنسان إن وهب فإن النفس مجبولة على حب من أحسن إليها، وهذا أمر معلوم، فإن أحسن شخص إلى آخر فنفس المحسن إليه مجبولة على حب من أحسن إليه، وهذا معروف في الطباع، بل أنها تغض الطرف عن خطايا ذلك المحسن، وهذا أيضًا معلوم ومشاهد.
ولا زال العلماء يحذرون من عطايا الحكام والرؤساء والكبار؛ لكيلا تقصر هممهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بأمر الله، ولذلك يقول سفيان الثوري عليه رحمة لله: (إني لأرى الرجل يأتيني ويهش في وجهي، وفي صدري عليه، فأجد في نفسي لينًا نحوه، فكيف ونحن نطأ فرشهم ونأكل موائدهم) ، يعني: السلاطين، فكيف إذًا قلوبنا على ذلك.
كما يحذر من أخذ العطايا من أرباب الفسق أيًا كانوا، رؤساء أو وجهاء أو أغنياء ونحو ذلك؛ لكيلا تنكسر قلوب العلماء فيعجزون عن قول الحق، ويبتعدون عن المذلة للناس، وألا يذل لأحد إلا لله سبحانه وتعالى.
... فضل الكرم وذم التسويف