فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 54

.. المواطن التي يحمد فيها الاعتزال

والعزلة ليست بمحمودة في العموم إلا في مواطن معدودة:

من هذه المواطن: أن يختلط الخير والشر على الإنسان، فلا يستطيع أن يميز خيرًا أو شرًا، فحينئذٍ يكون الاعتزال ممدوحًا، وقد صنف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذه الباب مصنفات، وللإمام الآجري عليه رحمة الله كتابًا سماه (العزلة في بيان مواطن العزلة المحمودة في الشرع) ، والتي ينبغي على الإنسان أن يسلكها في حال من الأحوال، ولما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظم الخلاف كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل الاعتزال.

وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص أن أباه اعتزل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وذهب ليعيش وحده خارج المدينة، حتى لامه في ذلك، فبين أن لديه أثرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، وقد جاء هذا عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أبي ذر و أبي الدرداء عليهم رضوان الله تعالى.

ومن المواطن التي يفضل ويستحب فيها الاعتزال: أن يكون الإنسان لا يطيق المنكر أن يراه إلا وقد وقع فيه، وهذا يكون عند النفوس الضعيفة التي لا تقاوم منكرًا، ومعلوم أن الله عز وجل قد جعل في الدنيا من الفتن والبلاء والمغريات ما لا يستطيع الإنسان مقاومته، والله عز وجل قد جعل في نفس الإنسان وازعًا، وجعل له من الشرع وازعًا كذلك، فالوازعان اثنان: وازع الشرع ووازع الطبع، ووازع الشرع هي النصوص التي تحذره من الوقوع في المنكر، أما وازع الطبع فهو النفرة من ذلك المحرم الذي حذر الله عز وجل منه؛ لأنه يخالف فطر الناس السليمة.

وهذان الوازعان إن اجتمعا في قلب الإنسان فإنه يأطره على الحق أطرًا، ويبعده عن مواطن الشر والفتنة، وإن ضعف الإنسان في هذين الجانبين فإنه يشرع له الاعتزال والبعد عن الناس.

... الاعتزال المخصوص

وثم اعتزال مخصوص في حالة معينة، وهو اعتزال بعض الأفعال والمنكرات كاعتزال بعض المجالس التي يخاض فيها بالمحرم، كما نهى الله عز وجل عن مخالطة الذين يخوضون في آيات الله ويستهزئون بها، بل جعل الله عز وجل حكمهم كحكمهم: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140] ، أي: في باب الحكم؛ لأن الغالب أن من جلس مع شخص يخوض في آيات الله عز وجل استهزاءً أنه راضٍ بذلك، وإلا لما جلس في ذلك المجلس، إلا إن كان صاحب إنكار فينكر ذلك المنكر، وحينئذٍ يقال: إن الاعتزال في مثل هذه المواطن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت