وتهذيب النفس ونحو ذلك، بعيدًا عن الأحكام الشرعية في باب الحلال والحرام والفقه، وهذا باب يحتاجه الناس عامة، ويحتاجه الخاصة أيضًا؛ ليتبصروا بمواطن السلوك الحق، ودرجة سلوكه والحذر منه، وما تكرهه الطباع، وما لا تكرهه.
وقد جاء في الشرع باب الحلال وباب الحرام وباب المتشابهات، وجاء ما يسمى في الشرع بالمروءة، فإن النفس لها مروءة، وإن كان هذا الأمر لا يدخل في باب الحلال والحرام إلا أن النفوس مجبولة على موافقة ومحاكاة غيرها، وهذا معلوم بالضرورة، فإن النفس تحاكي الغير، وإذا شذ أحد الناس في المجتمع بسلوك أو فعل فإن من النفوس من تحاكيه، وإن لم ينكر عليه ويبين ما هو عليه من باطل فإن النفس تحاكيه، ثم يحاكيه الآخر، والمنكر والخطأ لا ينتشر في الناس إلا أن واحدًا فعل أو قال، والآخر سكت على ذلك الفعل أو القول، فانتشر الفساد في الناس.
والمصنف عليه رحمة الله تعالى قصد إلى بيان التربية والسلوك والأخلاق الحميدة التي دلت عليها الشريعة ودلت عليها الفطر السليمة.
قال المصنف رحمه الله:
[اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل]
قوله: (اعتزل) الاعتزال هو البعد والانفراد، وهي محمودة في مواطن كثيرة، منها حينما يختلط الخير بالشر، ولا يعرف الإنسان الخير من الشر إما لجهله وإما للفتنة العامة التي حلت بالناس ونحو ذلك.
... ذكر العزلة في السنة النبوية
وقد امتدح الله عز وجل العزلة في كثير من المواطن، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي في أوائل صدر الإسلام، وفي نهاية الزمن بأنهم غرباء فقال: (طوبى للغرباء) ، وقال مادحًا العزلة كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد: (يوشك أن يأتي على الناس زمان يكون خير مال الرجل غنم يتتبع بها شعف الجبال) ، وهذا يدل على أن العزلة محمودة في بعض الأحيان، إلا أن مخالطة الناس هي الأفضل، وفي ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) ؛ لأن مخالطة الناس فيها دلالة إلى خير، وحث على المعروف ورد عن الفساد والمنكر، ولو كان كل صاحب خير اعتزل لبقي في الناس الفساد وانتشر.