قال المصنف رحمه الله:
[ملك كسرى تغني عنه كسرة وعن البحر اجتزاء بالوشل
اعتبر نحن قسمنا بينهم تلقه حقًا وبالحق نزل
ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا ولا ما فات يومًا بالكسل
اطرح الدنيا فمن عاداتها تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الزاهد في تحصيلها عيشة الجاهد فيها أو أقل
كم جهول وهو مثر مكثر وعليل مات منها بالعلل
كم شجاعٍ لم ينل منها المنى وجبانٍ نال غايات الأمل]
قوله: (ملك كسرى تغني عنه كسرة) أي: ينبغي للإنسان ألا يطمع في الدنيا، وأن ينظر في باب الدنيا لمن هو دونه، ولا ينظر لمن هو أعلى منه، وما دام الإنسان في هذه الدنيا والدنيا ظل زائل ينبغي أن يتزود بالقليل.
وهنا قال: إن ملك كسرى ذلك العظيم الذي بلغت مثاقيله المكاييل من الذهب والفضة وغير ذلك تغني عنه الكسرة التي يتزود بها الإنسان، فلا تنقص من عمر تلك الكسرة، ولا تزيد في عمر كسرى أملاكه، ولكن يغني عن ذلك القليل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الدنيا ظل زائل، فينبغي للمرء أن يتقلل منها.
وقد مثل هنا فقال: (وعن البحر اجتزاء بالوشل) أي: أن الإنسان إذا أراد الكفاية والغنية فيكتفي بالمطر، والوشل هو قطرات المطر التي لا تنهمر بكثرة، فهي التي يستغني بها الإنسان عن ذلك البحر المتلاطم الأمواج، وصحيح أنه كثير ويغني الإنسان غناء تامًا، لكن في ذلك كفاية، فما الذي يزيد صاحب البحر عن كفاية صاحب المطر.
... الاعتبار في قسمة الله للأرزاق
وقوله: (اعتبر نحن قسمنا بينهم تلقه حقًا وبالحق نزل) المراد بذلك قس من هذا إلى هذا، وهذا هو الاعتبار، يقول الله عز وجل في كتابه العظيم: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] ، أي: تدبروا وتأملوا، وخذوا من هذا إلى هذا، وقيسوا الأحكام.
وقوله: (اعتبر) أي: بقول الله سبحانه وتعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32] ، فالله عز وجل قسم بين الناس الأخلاق وقسم بينهم الأرزاق، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله قسم بين الناس أخلاقهم كما قسم بينهم أرزاقهم) ، وابن آدم ليس له إلا ما كتب له، فلا يطعم غيره طعامه، ولا يطعم طعام غيره، ولا يكتسي بكساء غيره، ولا يكتسي غيره بكسائه، فلا بد أن يأتيه، وإن كان في جوف البحر يخرجه الله سبحانه وتعالى، ولو كان طعامه في صخرة صمّاء لا باب لها ولا كوة إلا أخرجها الله عز وجل له كائنًا ما كانت، وأذهبها إليه، ويأتي رزق الإنسان من أقاصي الدنيا حتى يأتي إلى فمه، يكتبه الله عز وجل للإنسان، ولا يمكن أن يخرج من فيه شيء ليس لغيره.
... الأخذ بالأسباب في تحصيل الأرزاق
قوله: (ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا ولا ما فات يومًا بالكسل) أي: أن ما يجمعه الإنسان من متاع الدنيا ولذائذها وما يحصل له من تكسب ونحو ذلك فليس ذلك بعزم منه، ولكنه مما قسمه الله عز وجل له، وهذا لا ينافي الأخذ بالأسباب، فالله سبحانه وتعالى قد أمر بالأخذ بالأسباب، وجعل للإنسان مشيئة بعد مشيئته سبحانه وتعالى، يقول جل وعلا: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ [الإنسان:30] ، فما يجب على المرء أن