والله عز وجل قد أيد محمدًا صلى الله عليه وسلم ببعض المعجزات والخوارق، وبعض الحكم البينة التي يعجر الإنسان عن إدراكها وكنهها ومعرفة حالها؛ لكي يأخذ الإنسان منها وعمن غاب، أما من يتتبع جميع الأحكام ويريد لكل حكم علة فهذا يطلب محالًا، وهذا ضرب من ضروب الاعتزال، ويسعى بالإنسان إلى الإلحاد والخروج من الملة والعياذ بالله.
ومن رغب أو طمع في أنه يعرف لكل حكم شرعي حكمة أو علة لأجلها جاء هذا، فهذا من الخطر، وهذه بداية طريق الاعتزال، ولذلك ضل الكفار بتتبعهم للحكم، والله عز وجل ما جعل الإنسان بهيمة تنقاد، ولكن جعل له عقلًا يميزه أن الله عز وجل حرم هذا الأمر لتلك العلة، وأمر بهذا الأمر وهذا التكليف لتلك الحكمة البالغة، وأمر بذلك الأمر وغيب الحكمة، ونهى عن ذلك المحرم، وغيب الحكمة ليأخذ من هذا إلى هذا، فيزداد بذلك بصيرة، والإنسان إذا بان له في أمر واحد أمر الله عز وجل به حكمة بالغة عظيمة لا يمكن أن تصدر من بشر، فإنه يجريه على ما يأتي، والله عز وجل أيد محمدًا صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وأيد أولياءه بالكرامات.
والإنسان إن آمن بالإطلاق فإن يؤمن بكل شيء وإن لم يدرك حقيقته، بل وإن كان يرى خلافه، أو لم يتبصر بتلك العلة أو الحكمة، أو وقع في قلبه شيء من عدم الرؤية بالظاهر، لكنه يؤمن بذلك حقيقة، ولذلك أبو بكر الصديقإنما بلغ درجة الصديقية؛ لأنه أطلق باب التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به من غير نظر لعلة أو حكمة، ولذلك كان صديقًا عليه رضوان الله تعالى من هذا الباب، فلما قال له كفار قريش: (إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، قال: والله لو قيل لي أنه عرج به إلى السماء لصدقته) ، وهذا يدل على التصديق المطلق، والتسليم لله سبحانه وتعالى.
وكذلك عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى لما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام يتتبع المرأة التي معها الرسالة إلى كفار قريش من أهل مكة، فلما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم -كما ذكر ابن إسحاق في السير - قال: تبعها، فجاءها ولم يجد معها شيئًا، وقال: (والله لا يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أخرجيها وإلا عريتك، فأخرجتها من ضفائرها) ، كما جاء في الرواية؛ لأنه قطعًا النبي عليه الصلاة والسلام لا يكذب، وهذا تسليم مطلق، ولا يقع في قلبه ريب أو شك.
وقد ذكر النسائي عليه رحمة الله في السنن وابن إسحاق في السير بإسناد لا بأس به (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في ليلة من الليالي جالسًا مع عائشة عليها رضوان الله تعالى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كيف بإحداكن .. ) ، أي: أصحاب الحجر، ومعلوم أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في حجرات، يعني: حجرات متجاورة، ولا تفتح حجرة منهن على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حجرة عائشة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (كيف بإحداكن إذا نبحت عليها كلاب الحوأب) ، والحوأب بلدة على طريق الذهاب إلى العراق، وكانت عائشة في المدينة فقالت: (يا رسول الله! كيف بنا وما يذهبنا إلى هناك؟ قال النبي