للنية معنى شرعيا غير المعنى اللغوي -عندما فسّروا لفظ"النية"التي وردت في الأحاديث- لم يستطيعوا أن يحملوها على المعني الشرعي الذي افترضوه، بل حملوها على المعنى اللغوي، يقول القاضي البيضاوي عند تفسيره لحديث"إنَّما الأعمال بالنيّات" [1] :"والنيَّة في الحديث محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده" [2] .
وهذا متحتم في كل الأحاديث التي ورد فيها لفظ النية [3] ، كحديث"إنَّما يبعث المقتولون على نيّاتهم" [4] .
وحديث:"ربَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيَّته" [5] .
وحديث:"من غزا ولا ينوي إلاَّ عقالا فله نيته" [6] .
ولا يمكن حمل هذه الأحاديث على المعنى الشرعي الذي فرضوه، بل إنَّ هؤلاء أنفسهم حملوها على المعنى اللغوي، فالصواب -إن شاء الله تعالى- أنَّ الشارع استعمل"النيَّة"في معناها اللغوي، ولم يضع لها معنى اصطلاحيا خاصا.
وقد نص على هذا التحقيق الذي قررناه هنا أحمد الحسيني [7] من المتأخرين قال:"قول الفقهاء في تعريف النية: هي القصد، وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله، ليس المراد منه أنَّ هذا المعنى"القصد"خاص باللغة، وليس مستعملا في"
(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما وانظر تخريجه في ملحق الكتاب. ص 519
(2) ذكر قبل قليل من خرج هذا القول، باستيعاب ص 32.
(3) إعمال الفكر والروايات (ص 4) ، وقد انتصر المؤلف لهذا القول وأطال الكلام عليه.
(4) صحيح البخاري (كتاب الصوم 6) ، في صحيح مسلم (فتن 8) ، الترمذي (فتن 10) ، ابن ماجه (فتن 30، زهد 26) .
(5) مسند أحمد (1/ 397) .
(6) رواه أحمد في مسنده، (5/ 135، 320، 329) ، والدارمي (جهاد 23) .
(7) هو أحمد بن أحمد بن يوسف الحسيني، محام من فقهاء الشافعية ولد وتوفي بالقاهرة (1271 - 1332 هـ) ، له كتاب (مرشد الأنام) ، شرح فيه قسم العبادات من كتاب الأم في (24 مجلدا) ، وله كتب كثيرة غيره، منها: (نهاية الإحكام في بيان ما للنية من أحكام) . (الأعلام 1/ 90) ، معجم المؤلفين 1/ 157).