لقد قاوم الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الاتجاه في أفضل صوره وأعلى مراتبه، فقد حاول بعض الصحابة أن يتبتل، وآخرون حاولوا الهروب إلى الجبال كي يعبدوا الله، ولكنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- رفض ذلك رفضًا كليًّا، وعنّف الذين أرادوه، وبيّن لهم ما فيه من تضييع لما هو أفضل منه، وبين أنّه مناف لسنته وطريقته، وقد جمع ابن الأثير [1] هذه الأحاديث تحت باب:"الاقتصاد والاقتصار في الأعمال"، وسأسوق طرفا منها يتضح به المقصود إن شاء الله تعالى.
فقد ذكر أنَّ البخاريَّ ومسلما رويا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه"جاء ثلاثة رهْطٍ [2] إِلى بيوتِ أزواج النبيّ -صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلم- يسألون عن عِبادة النبِي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَما أخبروا، كَأَنهم تقالُّوها [3] . قالوا: فأين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبدًا."
فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فقال:"أَنْتُمْ الذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَالله إِنّي لَأخشاكمْ لله، وأَتْقَاكمْ له، وَلَكِني أَصُومُ وَأفْطِرُ، وَأصلي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوّج النسَاءَ، فمَنْ رَغِبَ عِنْ سنتي فلَيسَ مِنّي" [4] .
ونقل عن أبي داود في سننه أنه أخرج عن عائشة قالت:"بعث رسول الله -"
(1) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، المحدث اللغوي الأصولي ولد في جزيرة ابن عمر سنة (544 هـ) ، ونشأ بها، ثم انتقل إلي الموصل وتوفي بها سنة (606 هـ) ، من كتبه المطبوعة (جامع الأصول في أحاديث الرسول) .
راجع: (وفيات الأعيان 1/ 441) ، (بغية الوعاة 2/ 274) ، (شذرات الذهب 5/ 22) .
(2) الرَّهط: ما دون العشرة من الرحال لا يكون فيهم امرأة (مختار الصحاح) .
(3) تقالُّوها: التقال: تفاعل من القلة، كأنهم استقلّوا ذلك لأنفسهم من الفعل، فأرادوا أن يكثروا منه.
(4) جامع الأصول 1/ 200.