يرى بعض السالكين أن الاخلاص لا يتحقق إلا إذا تجرد الِإنسان عن إرادته، وتجرد عن رؤية أعماله، وعدَّوا النظر إلى شيء من ذلك قادحا في الإخلاص: فالسهروردي يصف هؤلاء بأنهم غابوا في إخلاصهم عن إخلاصهم، ويذكر عن بعضهم قوله:"متى شهدوا في إخلاصهم الِإخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص" [1] . ويعرّف الجرجاني [2] المريد بأنَّه المجرد عن الِإرادة، وينقل عن محيي الدين بن عربي أنه قال في الفتح المكي:"المريد من انقطع إلى الله عن نظر واستبصار، وتجرد عن إرادته"، وعلَّل مقالته هذه بأن المريد:"يعلم أنه لا يقع في الوجود إلاّ ما يريده الله تعالى، لا ما يريده غيره، فيمحو إرادته في إرادته، فلا يريد إلا ما يريده الحق" [3] .
وفي موضع آخر يعرف الجرجاني المريد بأنَّه:"المتجرد عن إرادته"، ويقل عن أبي حامد بأنه عرف المريد بقوله:"هو الذي فتح له باب الأسماء، ودخل إلى جملة المتوصلين إلى الله تعالى بالاسم" [4] .
وذكر الجرجاني مرتبة فوق ذلك عنده، فقد عرَّف المريد بأنه"عبارة عن المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له، فجاوز الرسوم كلّها والمقامات من غير مكابدة" [5] .
(1) عوارف المعارف ص 71.
(2) هو علي بن محمد بن علي السيد الزين الجرجاني، من كبار علماء العربية، ولد في (تاكو) سنة (740 هـ) ، ودرس في شيراز، وتوفي بها سنة (816 هـ) ، له كتاب (التعريفات) ، و (شرح مواقف الإبجي) .
راجع: (الأعلام 5/ 816) .
(3) التعريفات ص 184.
(4) المصدر السابق ص 234.
(5) المصدر السابق.