لقد سيطر العامل الديني على الحركة العلمية خلال الفترة الممتدة من ظهور الإسلام إلى نهاية العهد الأموي وهذا أمر طبيعي، فإن علماء هذه الحقبة إما من الصحابة أو التابعين، وقد عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم وشهدوا بداية الدعوة الإسلامية وساهموا فيها، وكان أقصى اهتمامهم العمل على نشر الدين وتعاليمه، المأخوذة من الكتاب والسنة. ثم جاء بعدهم التابعون وهؤلاء كانوا متأثرين بالصحابة الذين عاصروهم وأخذوا عنهم.
ومن ثم كان اهتمام العلماء المسلمين في تلك الفترة منصبًا أساسًا على الدين وما يتصل به، وما وجد من علوم أخرى، إنما كان لخدمة الأغراض الدينية مثل اللغة والقصص والتاريخ، غير أن هذا لا يعني انعدام العلوم الدينية أو الدنيوية.
وقد شهدت المدينة اهتمامًا كبيرًا بالعلم وأهله فكثرت حلقات العلم في المسجد النبوي وبخاصة بعد أن نبغ الإمام مالك بن أنس وأصبح مقصد طلاب وفقهاء كثيرين، وصارت حلقته تتسع وتتسع، وكان مالك محور حركة علمية واسعة يشكل أهل الحديث جانبًا آخر فيها، وأهل التفسير جانبًا ثالثًا، فضلًا عن أهل اللغة ورواية الأدب والأخبار (1) .
امتد العمران في الأحياء المحيطة بالمسجد النبوي وسار في جميع الاتجاهات، وحرص بعض الذين يعيشون خارج المدينة على بناء دور فيها، أو شراء دورٍ للنزول
(1) حول هذا الموضوع انظر:
محمد السيد الوكيل: الحركة العلمية في عصر الرسول وخلفائه، من موسوعة المدينة المنورة التاريخية (3) ، دار المجتمع، جدة، ط 2، 1409ه - 1989م.
ولطيفة محمد البسام: الحركة العلمية في الحجاز، من ظهور الإسلام إلى قيام الدولة العباسية ودراسة تاريخية (1 - 132ه) ، رسالة ماجستير، إشراف إبراهيم طرخان، 1400هـ - 1980م.