فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 425

( حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ( عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ،"وَرِبْعِيٌّ"بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ التَّابِعِينَ ( عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَوَى ) بِالْقَصْرِ وَقَدْ يُمَدُّ أَيْ: دَخَلَ بِقَصْدِ النَّوْمِ وَمَالَ ( إِلَى فِرَاشِهِ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: [ ص: 75 ] مَضْجَعِهِ ( قَالَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا ) أَيْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَنَامُ وَأَنْتَبِهُ لِلْقِيَامِ ، أَوْ بِذِكْرِ اسْمِكَ أَحْيَا مَا حَيِيتُ وَعَلَيْهِ أَمُوتُ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بِاسْمِكَ أَمُوتُ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى أَيْ: أَنْتَ تُحْيِينِي وَأَنْتَ تُمِيتُنِي وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أَيْ: سَبِّحْ رَبَّكَ ، وَهَكَذَا قَالَ جُلُّ الشَّارِحِينَ قَالَ: وَاسْتَفَدْتُ مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُبِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، وَمَعَانِيهَا ثَابِتَةٌ لَهُ فَكُلُّ مَا ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ ، فَهُوَ صَادِرٌ عَنْ تِلْكَ الْمُقْتَضَيَاتِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِاسْمِكَ الْمُحْيِي أَحْيَا ، وَبِاسْمِكَ الْمُمِيتِ أَمُوتُ انْتَهَى مُلَخَّصًا .

وَالْمَعْنَى الَّذِي صَدَرَ بِهِ أَلْيَقُ ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ غَيْرَ الْمُسَمَّى وَلَا عَيْنَهُ ، وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الِاسْمِ زَائِدًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا

كَذَا أَفَادَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ ، وَأَقُولُ الْمَعْنَى الَّذِي أُلْحِقَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ ، وَبِالْقَبُولِ أَحَقُّ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْقَصْدَ ، وَالْمَرَامَ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا لِذِكْرِ اسْمِهِ حَالَ نَوْمِهِ ، وَيَقَظَتِهِ ، وَوَقْتِ حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ ( وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا ) أَيْ: أَيْقَظَنَا ( بَعْدَمَا أَمَاتَنَا ) أَيْ: أَنَامَنَا ( وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) أَيِ: التَّفَرُّقُ فِي أَمْرِ الْمَعَاشِ كَالِافْتِرَاقِ حَالَ الْمَعَادِ ، وَقِيلَ النَّشْرُ هُوَ الْحَيَاةُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَمَعْنَى كَوْنِ النُّشُورِ إِلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى ، لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِغَيْرِهِ سُبْحَانَهُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ: النَّفْسُ الَّتِي تُفَارِقُ الْإِنْسَانَ عِنْدَ النَّوْمِ وَهِيَ الَّتِي لِلتَّمْيِيزِ ، وَالَّتِي تُفَارِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ هِيَ الَّتِي لِلْحَيَاةِ ، وَهِيَ الَّتِي تَزُولُ مَعَهُ النَّفْسُ كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا الْآيَةَ وَسُمِّيَ النَّوْمُ مَوْتًا ; لِأَنَّهُ يَزُولُ مَعَهُ الْعَقْلُ ، وَالْحَرَكَةُ تَمْثِيلًا وَتَشْبِيهًا ، وَقِيلَ الْمَوْتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى السُّكُونِ يُقَالُ مَاتَتِ الرِّيحُ إِذَا سَكَنَتْ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ الْمَوْتُ عَلَى النَّائِمِ بِمَعْنَى إِرَادَةِ سُكُونِ حَرَكَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي زَوَالِ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ ، وَهِيَ الْجَهَالَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمِنْهُ حَدِيثُ:"مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ"رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْمَوْتُ لِلْأَحْوَالِ الشَّاقَّةِ كَالْفَقْرِ وَالذُّلِّ وَالسُّؤَالِ وَالْهِرَمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ انْتِفَاعَ الْإِنْسَانِ بِالْحَيَاةِ إِنَّمَا هُوَ بِتَحَرِّي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَوَخِّي طَاعَتِهِ وَالِاجْتِنَابِ عَنْ سُخْطِهِوَعُقُوبَتِهِ فَمَنْ نَامَ زَالَ عَنْهُ هَذَا الِانْتِفَاعُ وَلَمْ يَأْخُذْ نَصِيبَ حَيَاتِهِ فَكَانَ كَالْمَيِّتِ ، فَكَانَ الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا لِنَيْلِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَزَوَالِ تِلْكَ الْمَضَرَّةِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَنْتَظِمُ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أَيْ: وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ مِمَّا نَكْتَسِبُهُ فِي حَيَاتِنَا هَذِهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِإِمَاتَتِنَا النَّوْمُ ، وَأَمَّا النُّشُورُ فَهُوَ الْإِحْيَاءُ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعَادَةِ الْيَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ شَبِيهٌ بِالْمَوْتِ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَهَذَا وَالذِّكْرُ فِي بَدْءِ نَوْمِهِ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ يَقَظَتِهِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ السَّالِكُ عِنْدَ نَوْمِهِ يَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ وَعَمَلِهِ ، وَعِنْدَ تَنْبِيهِهِ يَقُومُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَشُكْرِهِ عَلَى فَضْلِهِ وَيَتَذَكَّرُ بِالْيَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَرْجِعَ الْخَلْقِ كُلِّهِ إِلَى مَوْلَاهُ بَلْ لَا مَوْجُودَ فِي نَظَرِ الْعَارِفِ سِوَاهُ ، فَلَا تَغْفَلُ عَنْهُ فِي [ ص: 76 ] حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَيَتْرُكُ غَيْرَ ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ مِنَ الْأَشْغَالِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت