اذ سأل: او مخرجيَّ هم؟ لضخامة الكلمة - الناموس التي ألقيت عليه، فيجيبه ورقة ما يجيبه، وضمن الجواب ً نعم …ً.
وعندما نزل وحي السماء: إقرأ، بعد ذلك الصمت الطويل لم يحدث شيء.
لم تنطفئ الشمس. لم ينشق القمر. لم تتعطل قوانين الفيزياء ولا لحظة واحدة.لم تسقط الشهب والنجوم ولم يتصدع إيوان كسرى ولا عرش قيصر.
… لم يحدث شيء على الإطلاق.
ولم يسمع أحد خارج الغار هذه الكلمة الهمسة التي جاء بها الملك إلى محمد ولو انه لم ينقل الخبر لما عرف أحد.
.. لم يحدث شيء غير طبيعي بتاتا، ً فقط كلمات قيلت في أذن الرجل وقلبه في غار مظلم في شعاب مكة.
ظل الحال على ما هو عليه: الشمس تشرق وتغيب في مواعيدها والكون كله سائر على الخطة المحكمة المرسومة له بإتقان دون ان يتأثر بما حدث.
.. هذه المرة- وهي المرة الأخيرة بالمناسبة- لن يكون هناك أي داع لتحدي قوانين الفيزياء… الأكثر من ذلك ان هذه الرسالة ستكون في حقيقتها صلحًا مع هذه القوانين لا تحديًا.
هذه المرة سيكون التغيير في الداخل، في العقل، في القلب، في الوعي، سيكون التغيير في الإنسان وهو الذي سيفعل الباقي.
ماذا كان سيفيد لو انشق القمر او تصدع إيوان كسرى او انطفأت الشمس؟.
المهم ان ينشأ وعي جديد لمفاهيم جديدة ليكون مجتمعًا اخرًا هو الذي يصدع إيوان كسرى او عرش قيصر.
لذلك نقول بفخر: لم يحدث شيء بتاتًا.
وكان ذلك منسجمًا اشد الانسجام مع فحوى ومضمون الكلمة الاولى.
إقرأ.
كانت تلك هي الولادة الجديدة للوعي الإنساني. وللعقل الإنساني التي حدثت في غار حراء.
اما المخاض - مخاض الوعي - فسيستمر فترة طويلة تتجاوز حتى الـ 23 عاما التي كونت عمر الدعوة …
وعبر القرون سيعاني المخاض كثيرون، أولئك يجددون الوعي المسلم والفكر المسلم، بل يبعثون للامة دينها (كما جاء في الحديث الصحيح …) انهم يمنحون للقراءة أبعادها المتجددة المتفاعلة مع إرهاصات الواقع وتراكمات الخبرة الإنسانية …
من جاهلية مشركي مكة الى نظام العولمة المهيمنة، يظل جوهر المخاض واحدًا. إنها (إقرأ) .حتى وان غفلنا عنها لقرون، تخفت أحيانًا ويكون صوت الضجيج أعلى من همسة الغار، لكنها هناك موجودة، في الأعماق، وإذا أنصتنا قليلًا لنبض الوعي، فستكون همسة الغار أعلى من كل الأصوات، أقوى من كل الأصوات … ابلغ من كل الأصوات ….
رغم سعة الافق الذي انطلقت فيه تلك الكلمة - إقرأ- الا إنها مع ذلك مبنية على قواعد وأسس متينة، والاهم من ذلك: ثابتة.
ولعلنا هنا يجب ان نسجل ان الثبات ليس عيبا نخجل منه ونتجاهله - كما هو المعتاد اليوم في عصر يفخر بانه عصر المتغيرات السريعة. نعم. هناك متغيرات، ولكن هناك ايضا ثوابت. ونحن لا نخجل اذ نقر: في ديننا ثوابت. في عقيدتنا ثوابت. في حضارتنا ثوابت وفي مفاهيمنا ثوابت.
ولذلك فقرائتنا أيضًا مستندة الى ثوابت. وهذه الثوابت هي قاعدة رؤية واساس لنظر، انها العصب البصري الذي يغذي العين التي تقرأ، والبصيرة التي تستوعب … وهذه الثوابت لا تمارس دورًا انتقائيًا سلطويًا فوقيًا على موضوع القراءة - او النظر …
فالعالم كله، الخليقة كلها، بل تفاصيلها وكل تدرجاتها، تظل ميدانًا مفتوحًا لإقرأ …
لكن الانطلاق نحو ذلك يظل محكومًا بالقواعد القرآنية. بالرؤية القرآنية.
بالمقاصد الثابتة للشريعة التي تتوجه نحو ما هو ثابت - وهي مقاصد مستقاة من القران نفسه … فاقرأ تتكامل وتتحد - بالقران -عبر القران تتوضح زوايا الرؤية ويصير القران نفسه قراءة للعالم والخليقة والكون ككل …
حسب أحدث الإحصاءات: 40 % من المسلمين ممن فوق سن الـ 15 عامًا هم أميون. أي ان هناك اليوم اكثر من ربع مليار مسلم بالغ ويعاني من الأمية. والامية هنا هي الأمية الأبجدية - والتي هي أمية فك الخط. والـ 60 % البالغين الذين يفكون الخط هم في اغلب الأحوال - لا يفكون اكثر من الخط، و (إقرأ) بالنسبة لهم ليست اكثر من أحرف أبجدية لا تعني اكثر من الأصوات التي تترجمها …
ونسبة الامية هذه مصحوبة بارقام اخرى مفزعة توثق اوضاع التخلف والتردي التي يعيش فيها مسلمو اليوم .. ولعلنا لا نحتاج الى ارقام واحصائيات لنعرف اننا متخلفون. لعل نظرة واحدة حولنا تكفي لاستيعاب ذلك.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)