ـ [أبو عبد الله الساحلي] ــــــــ [02 - 04 - 06, 04:29 م] ـ
حكم لعن المسلم الفاسق
كثيرًا ما تأخذ المؤمنَ حميةُ الإيمان عندما يعرض له في حياته اليومية انتهاكٌ لحرمات الشريعة من الفسقة وغيرهم، فيأخذ لسانه في أغلب الأحيان بلعن من انتهك هذه الحرمات والدعاء عليهم، شفاءً لما في صدره من غيظٍ يعتلجه لعدم استطاعته التغيير أو الإنكار، اللهمَّ إلا إطلاق اللسان بما تقدّم من اللعن.
فهل يجوز للمؤمن الطائع أن يلعن من ألمَّ بمعصية الله؟ هذا السؤال يجيب عنه هذا المبحث ضمن المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف اللعن لغةً واصطلاحًا.
المطلب الثاني: حكم اللعن مطلقًا.
المطلب الثالث: حكم لعن المؤمن المصون.
المطلب الرابع: حكم لعن الفسقة غير المعينين.
المطلب الخامس: حكم لعن الفاسق المعين.
المطلب السادس: المناقشة والترجيح مع النتائج.
المطلب الأول
تعريف اللعن لغةً واصطلاحًًا
أ ـ اللعن لغةً: أصل اللعن في اللغة: الطرد والإبعاد على سبيل السخط، أو الطرد، والإبعاد من الخير، وكلاهما بمعنى واحد، لكن قد يختلف المعنى بحسب قائل اللعن:
ـ فإذا كانت اللعنة من الله تعالى في الآخرة؛ فهي العقوبة والعذاب.
ـ وإذا كانت منه سبحانه في الدنيا؛ فهي انقطاعٌ من قبول رحمته وتوفيقه.
ـ وإذا كانت من الإنسان؛ فهي بمعنى الدعاء على غيره.
ـ وقد تكون من الإنسان بمعنى السب لغيره. (1)
والذي يتعلَّق ببحثنا بشكل خاص هو لعن الإنسان للإنسان؛ إما بمعنى الدعاء عليه بالطرد والإبعاد من رحمة الله على المعنى الأقوى، أو بمجرَّد السبّ على ما ذكره ابن منظور بصيغة التضعيف.
ـ تعريف اللعن اصطلاحًا:
جاء في «المفهم» للقرطبي: «وهو في الشرع ـ أي اللعن ـ البعد عن رحمة الله تعالى وثوابه إلى ناره وعقابه» . (2)
وقد عرَّفه ابن عابدين نقلًا عن القُهُستان (3) يبقوله: «وشرعًا في حق الكفار: الإبعاد عن رحمة الله، وفي حقّ المؤمنين: الإسقاط عن درجة الأبرار» . (4)
المطلب الثانيي
حكم اللعن مطلقًًا
لمعرفة حكم اللعن مطلقًا وحكم جريانه على لسان المؤمن؛ نسوق بعض النصوص الواردة بهذا الخصوص:
1 ـ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ... لا يكون المؤمن لعَّانًا» (5)
2 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعّانًا» (6)
3 ـ وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللعَّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة. (7)
4 ـ وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها بعض متاع القوم إذ بَصُرَت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتضايق بهم الجبل، فقالت: حَلْ حَلْ اللهمَّ العنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحبنا ناقةٌ عليها لعنة» . (8)
5 ـ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رجلًا نازعته الريح رداءه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنها فإنّها مأمورة مُسخَّرة، وإنَّه مَن لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت عليه» . (9)
ـ يؤخذ من هذه الأحاديث الأحكام التالية:
أ ـ أن كثرة اللعن ليست من صفات المؤمنين الصادقين.
ب ـ إنه لا يجوز لعن الدواب.
جـ ـ أنه لا يجوز لعن الريح وغيرها من مُسخَّرات الله في هذا الكون.
د ـ أنَّ اللعنَ أمرٌ خطيرٌ، فإذا لعن الإنسان أي شيء كان، ولم يكن هذا الشيء مستحقًا للعنة، رجعت اللعنة عليه، فينبغي أن يُحتاط له أشد الاحتياط.
المطلب الثالث
حكم لعن المسلم المصون
ومعنى المسلم المصون هنا: هو الذي لا يُقدِم على المحرَّمات فيما يظهر لنا ولم يُعرَف منه المجاهرة بالمعاصي، ولبيان حكم لعنه نسوق النصوص التالية:
1 ـ قال تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا} [الأحزاب: 58] .
2 ـ عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعنُ المؤمنِ كقتلِه» (10)
3 ـ وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ من الكبائر أن يلعنَ الرجل والديه ... » (11) الحديث.
4 ـ وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «كنّا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه، رأينا أن قد أتى بابًا من الكبائر» (12) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)