12 -قد تكون البدعة في العبادات من المكروهات، مثل الاجتماع عشيّة عرفة للدّعاء لغير الحجّاج فيها، وذكر السّلاطين في خطبة الجمعة للتّعظيم، أمّا للدّعاء فسائغ، وكزخرفة المساجد.
جاء عن محمّد بن أبي القاسم عن أبي البحتريّ قال:» أخبر رجل عبد اللّه بن مسعودٍ أنّ قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبّروا اللّه كذا وكذا، وسبّحوا اللّه كذا وكذا، واحمدوا اللّه كذا وكذا، قال عبد اللّه: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس، فلمّا سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعودٍ فجاء - وكان رجلًا حديدًا - فقال أنا عبد اللّه بن مسعودٍ، واللّه الّذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعةٍ ظلمًا، ولقد فضلتم أصحاب محمّدٍ صلى الله عليه وسلم علمًا.
فقال عمرو بن عتبة: أستغفر اللّه.
فقال عليكم بالطّريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لتضلّنّ ضلالًا بعيدًا «.
13 -البدعة في العادات منها المكروه، كالإسراف في المآكل والمشارب ونحوها.
ومنها المباح، مثل التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، ولبس الطّيالسة، وتوسيع الأكمام، من غير سرفٍ ولا اختيالٍ.
وذهب قوم إلى أنّ الابتداع في العادات الّتي ليس لها تعلّق بالعبادات جائز، لأنّه لو جازت المؤاخذة في الابتداع في العادات لوجب أن تعدّ كلّ العادات الّتي حدثت بعد الصّدر الأوّل - من المآكل والمشارب والملابس والمسائل النّازلة - بدعًا مكروهاتٍ، والتّالي باطل، لأنّه لم يقل أحد بأنّ تلك العادات الّتي برزت بعد الصّدر الأوّل مخالفةً لهم، ولأنّ العادات من الأشياء الّتي تدور مع الزّمان والمكان.
14 -دواعي البدعة وأسبابها وبواعثها كثيرة ومتعدّدة، يصعب حصرها، لأنّها تتجدّد وتتنوّع حسب الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص، وأحكام الدّين وفروعه كثيرة، والانحراف عنها واتّباع سبل الشّيطان في كلّ حكمٍ متعدّد الوجوه.
وكلّ خروجٍ إلى وسيلةٍ من وسائل الباطل لا بدّ له من باعثٍ.
ومع ذلك فمن الممكن إرجاع الدّواعي والأسباب إلى ما يأتي
15 -أنزل اللّه سبحانه وتعالى القرآن عربيًّا لا عجمة فيه، بمعنى أنّه جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، وقد أخبر اللّه تعالى بذلك فقال: {إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًّا} .
وقال: {قرآنًا عربيًّا غير ذي عوجٍ} ومن هذا يعلم أنّ الشّريعة لا تفهم إلاّ إذا فهم اللّسان العربيّ، لقوله تعالى: {وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًّا} والإخلال في ذلك قد يؤدّي إلى البدعة.
16 -ما ينبغي للإنسان أن يعلمه ولا يجهله من المقاصد أمران
-1 - أنّ الشّريعة جاءت كاملةً تامّةً لا نقص فيها ولا زيادة، ويجب أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النّقص، وأن يرتبط بها ارتباط ثقةٍ وإذعانٍ، في عاداتها وعباداتها ومعاملاتها، وألاّ يخرج عنها ألبتّة.
وهذا الأمر أغفله المبتدعة فاستدركوا على الشّرع، وكذبوا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
وقيل لهم في ذلك فقالوا: نحن لم نكذب على رسول اللّه وإنّما كذبنا له.
وحكي عن محمّد بن سعيدٍ، المعروف بالأردنّيّ، أنّه قال:» إذا كان الكلام حسنًا لم أر فيه بأسًا، أجعل له إسنادًا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «.
-2 - أن يوقن إيقانًا جازمًا أنّه لا تضادّ بين آيات القرآن الكريم وبين الأحاديث النّبويّة بعضها مع بعضٍ، أو بينها وبين القرآن الكريم، لأنّ النّبع واحد، وما كان الرّسول صلى الله عليه وسلم ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحيّ يوحى، وإنّ قومًا اختلف عليهم الأمر لجهلهم، هم الّذين عناهم الرّسول بقوله:"يقرءون القرآنَ لا يجاوِزُ حناجرَهم".
فيتحصّل ممّا قدّمنا كمال الشّريعة وعدم التّضادّ بين نصوصها.
أمّا كمال الشّريعة فقد أخبرنا اللّه تعالى بذلك: {اليوم أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا} .
وأمّا عدم التّضادّ في اللّفظ أو المعنى فقد بيّن اللّه أنّ المتدبّر لا يجد في القرآن اختلافًا، لأنّ الاختلاف منافٍ للعلم والقدرة والحكمة {أفلا يَتَدَبَّرُونَ القرآنَ ولو كانَ من عندِ غيرِ اللّه لَوَجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)