واحتسب بعض علماء الأندلس في جمع التبرعات من أجل فكاك الأسرى المسلمين في أعقاب المعارك الواقعة بينهم وبين النصارى، فهذا أبو عبد الله الحجام (ت 614هـ) يندب الناس في جامع إشبيلية إلى افتكاك الأسارى، فتسارع الناس إلى ذلك ما حضرهم، وخلع كثير منهم بعض ما كان عليه من الثياب (7) .
وطالب شيخ الإسلام ابن تيمية ملك قبرص ـ النصراني ـ بإطلاق أسرى المسلمين، سالكًا في تلك الرسالة مسلك الترغيب من جهة، ومسلك «الترهيب» والتحذير من جهة أخرى، ولما قدر شيخ الإسلام على إطلاق الحافظ المُزِّي من الحبس؛ أخرجه من الحبس بيده، وكان يقول: «يجب على القريب افتكاك قريبه من الأسر» (8) .
ويقول أيضًا: «ولو أسرنا حربيًا لأجل تخليص مَنْ أسروه منّا جاز اتفاقًا» (9) .
فاللهم أنج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الدين، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف.
(1) المأمون، والمعتصم، والواثق.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية، 12/ 439.
(3) انظر: طبقات السبكي، 2/ 164، 165.
(4) مجموع الفتاوى، 3/ 254.
(5) المستدرك على مجموع الفتاوى، 1/ 154.
(6) انظر: المنتظم، لابن الجوزي، 14/ 27.
(7) انظر: تفصيل ذلك في جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى، لمحمد أبي الخيل، ص 266.
(8) المستدرك على مجموع الفتاوى، 5/ 62.
(9) المستدرك على مجموع الفتاوى، 3/ 241.
المصدر: مجلة البيان
هل التصوفُ سائغٌ محمودٌ مقبولٌ؟
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
أستاذ مساعد في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض
كثيرًا ما يقع الخلاف بسبب ألفاظ مشتركة، ومصطلحات مجملة تطلق على معان متعددة، ومن ذلك «التصوف» فهو لفظ مجمل، وحمّال وجوه؛ فقد يطلق على معان صحيحة: كالزهد، والورع، وصفاء السريرة، وقد يراد به أوراد بدعية وعبادات محدثة، كما يراد به الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، مما هو من مقالات أهل الزندقة والإلحاد.
ولما كان أهل السنة والجماعة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فقد بيّنوا ما في هذا التصوف من إجمال يحتاج إلى تفصيل، وتحدّثوا بعلم وعدل عن مفهومه وإطلاقاته.
يقول ابن تيمية: «لفظ التصوف قد أُدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها، وإن سميت تصوفًا؛ لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر» ، وقد أُدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله، كما يُدخِل فيه بعضهم نوعًا من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعًا من الرهبانية المبتدعة في الإسلام.
والمؤمن الكيّس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وأطاعوا فيه الله ورسوله ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة أو عصوا فيه الله ورسوله» (1) .
وقال الشاطبي: «وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صحّ بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم.
ولفظ التصوف لا بد من شرحه أولًا، حتى يقع الحكم على أمر مفهوم؛ لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخرين».
ثم ساق الشاطبي ـ رحمه الله ـ المعاني الصحيحة والفاسدة في التصوف (2) .
وإذا أردنا أن نحدد نوعية التصوف الحاضر الآن فلا بد أن نتعرّف على واقع طرق التصوف وأحوالها وأدبيّاتها، وأن نستبين مقالات أرباب التصوف المعاصرين؛ وبذلك نحدد نوعية التصوف السائد في كثير من الأمصار.
فلا يقتصر على إجابة مجملة وعائمة، لا تعالج واقعًا حاضرًا، ولا تشفي عليلًا، بل ربما كانت تنصلًا عن تشخيص الواقع والحكم عليه.
وهذا ما ارتكبه بعض فضلاء هذا العصر؛ حيث قرروا «الصوفية الحقة» التي كان عليها الجنيد والفضيل ـ رحمهما الله تعالى ـ ونحوهما؛ فأوقعوا بذلك التقرير لبسًا وشكًا في انحراف الصوفية المعاصرة، وتهوينًا لحالهم، واسترواحًا لبعض ممارساتهم في التزكية وأحوال القلوب.
مع أن زنادقة الصوفية القدامى مناقضون لمسلك الفضيل والجنيد، فضلًا عن متأخريهم ومعاصريهم؛ فابن عربي الطائي قد أنكر على الجنيد تقريره التوحيد؛ فكان الجنيد ـ رحمه الله ـ داعيةً إلى توحيد العبادة، وأما ابن عربي فناعق بوحدة الوجود» (3) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)