ولما مرض ابن تيمية - مرض الوفاة - دخل عليه أحدهم، فاعتذر له، والتمس منه أن يحلله، فأجاب الشيخ: (إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وإني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي، كونه فعل ذلك غيره ... ) (10) .
وقال أحد خصومه (ابن مخلوف) : (ما رأينا مثل ابن تيمية، حرّضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا) (11) .
وأخيرًا أدعو إخواني إلى ضرورة معرفة الحق ورحمة الخلق، وأن نهتم بتحقيق العلم والعدل في هذا الشأن، وأن نسعى جادين صادقين إلى تحقيق منهج أهل السنة عقيدة وسلوكًا، والله المستعان.
الهوامش:
(1) الحجة في بيان المحجة 2/ 528. وانظر عقيدة السلف للصابوني (ت 449 هـ) ص 97 - 99 واعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي (ت 371 هـ) ص 78، وانظر آخر مبحث في العقيدة الواسطة لابن تيمية.
(2) الرد على البكري ص 257.
(3) شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ص 19.
(4) أخرجه أحمد 2/ 181، 195 وابن ماجه (85) .
(5) انظر تفصيل ذلك في الاعتصام للشاطبي 1/ 71 - 73.
(6) الآداب الشرعية لابن مفلح 2/ 24.
(7) أسير أعلام النبلاء 9/ 234.
(8) المرجع السابق 9/ 238.
(9) مدارج السالكين 2/ 345.
(10) الأعلام العلية صـ 82.
(11) الباب الثالث 14/ 54.
ضوابط في
تلقي النصوص الشرعية وفهمها
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
لا شك أن لنصوص الوحيين (الكتاب والسنة) المنزلة العظيمة اللائقة بهما، كما أن لفهم تلك النصوص الأسلوب الملائم لحصول المقصود منها، وسأورد لك أخي القارئ بعضًا من الضوابط التي يتعين تذكيرها إزاء النصوص الشرعية عند تلقيها وفهمها.
1 -التسليم والتعظيم:
لا بد من التسليم التام والخضوع الكامل للنصوص الشرعية، كما أنه يتعين التحاكم إليها وتقديمها على غيرها، كما يجب تعظيم نصوص الوحيين وإجلالها وتوقيرها.
إن التسليم يعني خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن لأعمال الجوارح، كما أن التسليم"هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يعارض القدر والشرع، وصاحب هذا التوجه هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، فإن التسليم ضد المنازعة". (1)
إن صفة التسليم للنصوص الشرعية من أهم صفات أهل الإيمان، فلا أحد أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله تعالى، كما أنه ممن نال التمسك بالعروة الوثقى.
(( ومَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ ) ) [النساء 125] ، وقال تعالى:
(( ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى ) ) [لقمان 22]
وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - أثناء حديثه عن السلف الصالح -"وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقولة، ولا قياسه، ولا وجده. فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم" (2) .
ويوضح -رحمه الله- أهمية هذا الأمر فيقول:"جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال والرشاد والغي، وطريق السعادة والنجاة، وطريق الشقاوة والهلاك؛ أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل" (3) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)