إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا).
هجر ذوي الأرحام:
وأما هجر ذوى الأرحام فيعتبر من جملة الكبائر حتى و إن لم تبلغ المدة ثلاثة أيام، لأن الهجر هنا أضيف إليه قطيعة الرحم، و الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله و من قطعني قطعه الله، و قد أمر سبحانه بوصلها فقال: (واتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام) و ليس الواصل بالمكافئ، و الرحم توصل بالهدية و الزيارة و السلام و المراسلة، بل الرحم الكافرة توصل من المال و نحوه كما قال الأمام الخطابي و غيره، فإن لم يستطع الإنسان صورة من صور الصلة عمل بالأخرى أو بما يقدر عليه منها؛ إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، و لما هم البعض بقطع ذوي الرحم استبطاءً لإيمانهم نزل النهي عن ذلك: (ليس عليكم هداهم و لكن الله يهدى من يشاء و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله و ما تنفقوا من خير يوف إليكم و أنتم لا تظلمون) و قد أمر سبحانه بصلة الوالدين و مصاحبتهما بالمعروف حتى و إن ظلما و كانا مشركين قال تعالى: (و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفًا) . و قد عد الإمام الذهبي رحمه الله هجر الأقارب مطلقًا من الكبائر.
هجر أهل البدع والمعاصي:
أما هجر أهل البدع و الأهواء فإنه مطلوب على مر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة و الرجوع إلى الحق، فمن وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الدين، و لما دخل رجل يتكلم في القدر (أي ينكره) على ابن سيرين، سد ابن سيرين أذنيه و قال للرجل: إما أن تخرج و إما أن أخرج. قال ابن مفلح:"يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية و القولية و الاعتقادية"و قال ابن تميم:"هجران أهل البدع كافرهم و فاسقهم و المتظاهرين بالمعاصي، و ترك السلام عليهم فرض كفاية، و مكروه لسائر الناس، ولا يسلم أحد على فاسق معلن ولا مبتدع معلن داعية ولا يهجر مسلمًا مستورًا غيرهما من السلام فوق ثلاثة أيام". و الهجر هنا قد شرع كعلاج و لم يشرع للبتر ولا للإهلاك، و بالتالي فلا تزيد في الكيفية أو في الكمية فتهلك صاحبك، و شرع الله مصلحة كله، ولابد من مراعاة واقع الغربة و تفشى الجهالة، و القيام بواجب الدعوة و الرفق بالخلق و إزالة الشبهات ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حيى عن بينة، و كان من مذهب عمر و أبي الدرداء و إبراهيم النخعي أنك لا تهجر أخاك عند المعصية فإن الأخ يعوج مرة و يستقيم مرة أخرى، و لعل هذا يتناسب مع ظروفنا؛ إذ لا سلطان لنا على النفوس؛ و لغلبة الجهل و قلة العلم بآثار الرسالة، وإذا كان المهجور يزداد شرًا و فسادًا بالهجر، فصلته حينئذ مع دعوته أولى من هجره و التباعد عنه.
هجر المرأة زوجها:
لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تهجر زوجها أو تمتنع عنه إذا طلبها لحاجته، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"لا تهجر امرأة فراش زوجها إلا لعنتها ملائكة الله عز و جل"رواه أحمد و البخاري و مسلم بلفظ قريب منه و لفظه"إذ دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت (رفضت) فبات غضبان عليها لغتها الملائكة حتى تصبح". و في رواية:"حتى ترجع". ولا يصح للزوجة أن تتعلل بتفريط الزوج؛ إذ تفريطه في الحق لا يستدعي تقصيرها، و عليها أن تسأل الله الذي هو لها.
خيرهما الذي يبدأ بالسلام:
إذا كان الأصل في الهجر أنه من المنهيات فإن الثلاثة أيام تكفي لإذهاب شحناء النفوس و الأهواء التي تعتمل فيها، وقد جعل الشرع خير الرجلين الذي يبدأ صاحبه بالسلام وقد ترجم الصالحون هذا المعنى بسلوكهم فحرصوا على إصلاح ذات البين،عن أبي الحسن المدائني قال:"جرى بين الحسن بن علي و أخيه الحسين كلام حتى تهاجرا، فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام من هجر أخيه أقبل إلى الحسين و هو جالس فأكب على رأسه فقبله فلما جلس الحسن قال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك و القيام إليك أنك أحق بالفضل مني فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به".
من أضرار الهجر:
من المعلوم أن الهجر بغير سبب شرعي له أضرار شديدة على الفرد والمجتمع فالهجر صفة قبيحة تسخط الله عز و جل على المتهاجرين، و هو سبب في تأخير المغفرة من الله عز و جل، و يعد من حبائل الشيطان التى يغوي بها أتباعه حتى يسوقهم إلى الجحيم، عن مجاهد قال:"الأقلف موقوف عمله حتى يختتن و الصارم (الهاجر) الظالم موقوف عمله حتى يفيء."
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا ..."الحديث.
و بالجملة فلابد من هجر الذنوب و المعاصي و كل ما يؤدي إليها، و الحذر كل الحذر من هجر القرآن و غيره من الطاعات و القربات لقوله تعالى: (و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا) .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)