فلما عمهم اليأس وضاقت بهم الأنفاس تداركتهم أنفاس الإيناس وقيل لهم هيهات فلا سبيل إلى اليأس فإن كان كمال الغنى يوجب التعذر والرد، فجمال الكرم أوجب السماحة والقبول، فبعد أن عرفتم مقداركم في العجز عن معرفة قدرنا فحقيق بنا إيواؤكم فإنه يطلب المساكين الذين رحلوا من مساكنة الحسبان ومن استشعر عدم استحقاقه فحقيق بالملك العنقاء أن يتخذه قرينا، فلما استأنسوا بعد أن استيأسوا وانتعشوا بعد أن تعسوا ووثقوا بفيض الكرم سألوا عن رفقائهم فقالوا: ما الخبر عن أقوام قطعت بهم المهامة والأودية. امطلول دماؤهم أم لهم دية؟ فقيل هيهات. هيهات. (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ويدركه الموت فقد وقع أجره على الله) والذين غرقوا في لجج البحار ولم يصلوا الى الدار بل التقمتهم لهوات التيار. قيل هيهات «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء» . فالذي
جاء بكم وأماتهم أحياهم، والذي وكل بكم داعية الشوق حتى استقللتم الفناء والهلاك في أريحية الطلب دعاهم وحملهم وأدناهم وقربهم فهم حجب العزة وأستار القدرة
قالوا والذين قعد بهم اللؤم والعجز فلم يخرجوا: قيل: هيهات «ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم»
أنتم اشتقتم أم نحن شوقناكم. نحن أقلقناكم فحملناكم وحملناهم في البر والبحر.
فلما سمعوا ذلك واستأنسوا بكمال العناية وضمان الكفاية كمل أهتزازهم وتم وثوقهم، فاطمأنوا وسكنوا واستقبلوا حقائق اليقين بدقائق التمكين. وفارقوا بدوام الطمأنينة إمكان التلوين [1]
(إلى هنا انتهت رسالة الطير للغزالي)
وبعد أن عرضت «رسالة الطير» كما عرضت من قبل بنية «منطق الطير» وجب علينا أن نبحث عن مواضع الالتقاء بين القصتين وهي:
اجتماع الطير للبحث عن ملك الاتفاق على أن العنقاء أو السيمرغ ملكهم التصميم على الوصول إلى هذا الملك برغم أخطار الطريق وأهواله هلاك الكثرة في السفر ووصول القلة إلى الحضرة ما كان من حاجب الحضرة في كلا القصتين الحيرة التي تملكت الطير بعد لقاء حاجب الحضرة لها انفراج أسارير الطيور بعد أن حظيت بالمثول أمام الحضرة
ولكن العطار بخياله الخصب قد أضاف الكثير من عنده إلى ما أخذه عن الغزالي فلم يكن مجرد ناقل بل كان مبدعا كذلك. فهو قد سمى
(1) الجواهر الغزالي من رسائل الإمام حجة الاسلام الغزالي (القاهرة 1934م ص 143 151)