لقد ارتكب ذلك الرجل العديد من الخطايا، ثم تاب خجلا، وعاد إلى الطريق من جديد، وعندما شعر بقوته مرة ثانية، نقض توبته واتبع الشهوات، وهكذا جنح عن الطريق السوي مرة أخرى، ووقع في ارتكاب جميع الآثام، ثم أصيب قلبه بالهم والكآبة، وأصبح أمره من الخجل غاية في الصعوبة والشدة، ولما لم يكن له نصيب إلا الضياع، أراد أن يتوب، ولكنه ما استطاع، وأصبح آناء الليل والنهار كفحمة على
المقلاة، قلبه مفعم بالنار، وتسيل منه الدماء، وإذا كان الغبار قد كسا طريقه، فبدمعة غسل طريقه.
وفي السحر ناداه هاتف، وأصلح أموره وجعله موفقا، وقال له:
يقول خالق البرية:
عندما تبت يا فلان أول توبة، عفوت عنك وقبلت منك التوبة، وكنت قادرا، ولكنني لم آخذك بالعقوبة. وعندما نقضت توبتك النصوح مرة أخرى، منحتك مهلة ولم أكن عنك غاضبا، ومحض خيال أيها الجاهل أن ترغب الآن، في العودة مرة أخرى، ولكن، عد ثانية، فقد فتحنا الباب، لقد أذنبت أنت، ونحن قد عفونا!
كان جبريل ذات ليلة في السدرة، يسمع صوت عبد في الحضرة يقول «لبيك» ، فقال: إن عبدا يدعو الله الآن، وأنا لا أعرف ذلك الشخص الذي يدعوه، وكل ما أعلم أنه عبد له مكانته، حيث ماتت نفسه، وحيي قلبه.
وأخيرا طلب (جبريل) معرفته في هذه الآونة، فلم يدركه في السبع سموات، فطاف بالأرض وركب البحر، ولم يدرك منه شيئا في الجبال أو في الصحاري، فأسرع بالعودة صوب الحضرة، فسمع مرة أخرى، من يقول: «لبيك» . فتملكته الحيرة من شدة الغيرة، فطاف بالعالم مرة أخرى، وما أدرك هذا العبد. فقال: إلهي، أرشدني إلى طريقه، فقال الحق تعالى: توجه صوب الروم، وامض إلى الدير حتى تعرفه.