فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 454

أقبل البلبل الولهان نشوان ثملا، ومن كمال العشق كان في حالة لا هي صحو ولا عدم، وكانت صيحاته مفعمة بالمعان، وخلف كل معنى كمن عالم من الأسرار، فما أن رفع صوته بأسرار المعاني، حتى ألجم ألسنة الطير جميعها

قال: ختمت عليّ أسرار العشق، لذا أمضي ليلي كله ألهج بالعشق، نواح الناي بعض حديثي، ورنين القيثارة الخفيض آهاتي، البساتين غاصة بصيحاتي، وإلى قلوب العشاق سرت خفقات قلبي. في كل زمان أردد سرا جديدا، وفي كل آونة أصدر لحنا جديدا

ما أن أصاب العشق روحي بجبروته، حتى أصبحت بحرا مضطرب الأمواج، وكل من رأى اضطرابي فقد رشده، ولو كان في غاية الصحو أصبح ثملا، وإن أعدم رؤية الخليل عاما طويلا، ألذ بالصمت غير مبيح سري لأحد. ولما كان معشوقي في بداية الربيع ينثر على الدنيا أريج عطره، فبه تكتمل سعادة قلبي، وبطلعته أتخلص من اضطرابي.

وإن يعاود معشوقي الاحتجاب، يصبح البلبل المضطرب قليل الكلام، لذا فإن أحدا لا يدرك أسراري، أما الوردة فهي المدركة أسراري بلا ريب. وهكذا أصبحت في عشق الوردة مستغرقا، حتى فنيت عن نفسي فناء مطلقا. وكفاني ما يكمن برأسي من عشق الوردة، وكفاني أن الوردة الجميلة معشوقي، وليس للبلبل طاقة لإدراك السيمرغ، حيث يكفيه عشق الوردة

إذا كانت الوردة العديدة الوريقات محبوبتي، فأي بأس أن يكون

الفقر صفتي؟ وإن تتفتح برعمة ممزقة أستارها، فإنها تضحك في وجهي وتتبسم لي وحدي فكيف يستطيع البلبل التخلي ولو لليلة واحدة عن عشق تلك الوردة الباسمة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت