اختفى الشبلي [1] فترة من بغداد، فسيطر الاضطراب على حال مريديه، وبحثوا عنه كثيرا في كل مكان، فرآه شخص في بيت فسق ومجون، وقد جلس وسط أولئك الفجرة دامع العينين، وبشفة صادية، فقال له: أيها العظيم الباحث عن السر، أهذا مكانك آخر الأمر؟
قال: إن هؤلاء الفجرة الفسقة، سائرون في طريق المعنى، وليسوا رجالا ولا نساء، وأنا مثلهم ولكن في طريق الدين، ولست امرأة ولا رجلا أكثر منهم، لقد ترديت في لؤمي وخستي، لذا فإنني أخجل من آدميتي.
كل من آثر روحه، جعل لحيته مفرشا لخوان حبيبه، واختار ذل نفسه كالرجال، ونثر العزة على المساكين، لكن إن ترغب في أن تكون محط أنظار الخلق، فأنت أسوأ من الصنم، وإن يتفاوت مدحك وذمك لنفسك، فأنت صانع صنم، لأنها تقيم الصنم، فإن تكن عبدا للحق، فلا تكن صانع صنم، وإن تكن جديرا بالله، فلا تكن آزريا، وليس هناك بين الخاص والعام، أفضل من مقام العبودية مقام، فكن عبدا، ولا تدّع أكثر من هذا، وكن رجل حق، فالعزة من الله، فلا تبحث عنها لدى غيره، وإن كانت مائة صنم تختفي في داخلك تحت الدلق، فكيف تدعي أنك صوفي أمام الخلق. فيأيها المخنث لا ترتد أردية الرجال. ولا تجعل نفسك مضطربا على هذه الحال.
(1) الشبلي: أبو بكر جحدر، مالكي المذهب، كان أول أمره واليا على دوماند، ثم انصرف إلى الزهد، اعتقل فترة بمستشفى المجانين، وهو من أصحاب الشطحات، لذا انتهى أمره بالقتل كالحلاج عام 247هـ. انظر تذكرة الأولياء للعطار ج 2، نشر نيكلسون ليدن 1907م. س: 182160.